الجزار الذي باع العالم صورته الأكثر رعبا

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

ثمة جرائم لا تقع إلا في الخيال، لكنها تجد في الواقع جمهورا مستعدا لإدانة مرتكبيها قبل أن يولد الدليل. وثمة صور لا تكشف ما حدث، بقدر ما تكشف ما نخاف أن يحدث. في المسافة الغامضة بين الاثنين، وُلدت حكاية الجزار الباريسي الذي قيل إنه يبيع لحما بشريا، فتحولت قطعة لحم معروضة خلف زجاج إلى مسرح جريمة، وتحولت شاشة الهاتف إلى محكمة، وصار ملايين المشاهدين شهودا على واقعة لم تثبت أصلا. « المنشور في 17 أكتوبر 2026، انتشر على منصة «إكس» مقطع حصد، وفق المقال، نحو 3.3 ملايين مشاهدة، مصحوبا برواية مرعبة عن اكتشاف لحم بشري في متجر جزارة بباريس، واعتقال صاحبه، ثم كشف شبكة مزعومة للاتجار بأجساد البشر. كانت الحكاية محكمة الإخراج: قطعة لحم تشبه ساقا بشرية، وشرطيون، ومشاهد من باريس، وصوت يعلن الغضب كما لو أن الحقيقة قد انتهت من أداء شهادتها. لكن التحقيقات المنشورة في مواقع متخصصة في التحقق من الأخبار، ومنها Lead Stories، خلصت إلى أن الرواية زائفة، وأن الصور الأصلية لا تثبت وقوع الجريمة المزعومة.

ترقد تلك الساق هناك، في واجهة زجاجية مبردة لملحمة ما في باريس. أنسجة الجلد واضحة، وزاوية المفصل تحمل شيئا من الألفة المقلقة. صوت المصور يرتجف، يتمتم كلمة بالروسية، ثم يسأل بالإنجليزية: “هل هذا لحم بشر؟ لحم بشر؟” صاحب الملحمة خلف المنضدة لا يبدو أنه فهم، يكرر كلمة واحدة: “باكستان”. هذا المشهد شاهده ثلاثة ملايين وثلاثمئة ألف شخص على منصة X، مرفقا بترجمة فرنسية، وتعليق صوتي يقول إن “الشرطة اعتقلت الجزار”، وإن “نيابة باريس فتحت تحقيقا”، وإن “عدة ملاحم خضعت للتفتيش”، مع شارة شرطة لامعة. ثم انفجرت التعليقات. أحدهم قال “الأفارقة يأكلون البشر، هذا طبيعي”، وآخر قال “ماكدونالدز تفعل هذا منذ زمن”، وثالث قال “قادة أوروبا كلهم شيطانيون”.

المشكلة أن تلك الساق ليست في باريس. بل لا وجود لها في أوروبا أصلا. هي على الأرجح ساق حصان، أو جاموس، ممددة في واجهة ملحمة ما في دبي، على ملصق مكتوب عليه بالإنجليزية والعربية، وصاحبها هو صاحب حساب على إنستغرام، رجل عادي يقود سيارته ويأكل ويتدرب في دبي. في السادس من يناير 2026، نشر ذلك الرجل الفيديو، وكتب بوضوح: “THIS BEEF LEG” أي “ساق بقرة”. بعد تسعة أشهر، جاء من قطّع المشهد، وحشره داخل شارة شرطة فرنسية، وسيارة شرطة قرب اللوفر، وتعليق صوتي بالإنجليزية بنبرة كئيبة، ثم رمى كل ذلك في فرن خوارزمية X. ثلاثة ملايين مشاهدة، ووليمة جماعية حول “ملحمة باريسية تأكل البشر”، وقربان مثالي لـ”الآخر” لتنشأ جغرافيا كاذبة، وقصة أكثر قدرة على إثارة الذعر. لم تكن الجريمة هي ما تكشفه الصورة؛ بل كان التلاعب بالصورة هو الجريمة المعرفية التي تستحق الفحص.

ما يستحق التأمل هنا ليس غرابة اللحم، بل سهولة انتقال العقل من الاحتمال إلى اليقين. كيف تستطيع قطعة جامدة أن تستدعي أكثر المخاوف بدائية في الإنسان؟ وكيف يصبح التشابه البصري دليلا، والصمت اعترافا، واختفاء الشيء من المشهد برهانا على جريمة؟ إن الصورة لا تكذب دائما بما تعرضه؛ قد تكذب بما تحذف، وبالمكان الذي تنسب إليه نفسها، وبالحكاية التي يضعها أحدهم في فمها.

لنتوقف لحظة، قارئي العزيز, ونفكر فيما يثير الرعب الحقيقي في هذه القصة. ليس الساق – فقد شرح علماء الأنثروبولوجيا الجنائية الأمر بوضوح: اتجاه مفصل الورك أفقي، مناسب لحمل وزن على أربع؛ أما مفصل ورك الإنسان فمائل، لأننا نمشي على قدمين؛ وفي الطرف أثر حافر. وليس “هل توجد في باريس ملحمة تأكل البشر” – فكل من لديه حد أدنى من الحس السليم يعرف أن لو كانت هناك ملحمة في باريس تبيع لحم البشر، لانفجرت وزارة العدل ووزارة الصحة وكل إعلام أوروبا، ولما بقي الأمر مجرد فيديو على X. ما يثير القشعريرة حقا هو: لماذا أراد ثلاثة ملايين وثلاثمئة ألف شخص أن يصدقوا؟

هذه ليست قصة عن الأخبار المزيفة. الأخبار المزيفة كثيرة جدا، وكثيرة لدرجة أننا صرنا محصنين تقريبا ضد كلمة “مزيف”. هذه قصة عن الرغبة. تلك الساق رُئيت لأن أحدا أراد أن يراها. تلك التمتمات في التعليقات عن الأفارقة والشيطانيين وماكدونالدز ليست ردود أفعال على الفيديو، بل هي سبب وجود الفيديو. صانع المحتوى يعرف أنه إذا وضع “لحم بشر” و”باريس” و”أجانب” في الجملة نفسها، فسيوجد من يكمل بقية الكلام نيابة عنه. ساق الحصان ليست سوى دال فارغ، أنبوب تتدفق عبره كراهية كانت جاهزة سلفا. لا حاجة لأن تكون حقيقية. يكفي أن تبدو حقيقية.

هنا يكمن قلق فلسفي أعمق. نعتاد أن نصدق شيئا لأن لديه دليلا. لكن هذه القصة تكشف المنطق المعاكس: أولا توجد رغبة في التصديق، ثم يُصنع الدليل. قال جان بودريار إنه في زمن المحاكاة، لم تعد العلامة تشير إلى الواقع، بل إلى علامات أخرى. تلك الساق لا تشير إلى أي مسلخ حقيقي ولا إلى أي جريمة حقيقية. تشير إلى باريس التي تسكن بالفعل في ذهن المشاهد – باريس “ملوثة” بالمهاجرين، باريس “تخفي فيها النخبة الحقيقة”، باريس التي قد تضع لك لحم بشر في شطيرة في أي لحظة. الفيديو مجرد صورة فوتوغرافية لتلك الباريس الداخلية. وهو فعال ليس لأنه خدع الناس، بل لأنه أكد ما كانوا يصدقونه أصلا. وماذا عن الجزار المظلوم؟ إنه لا يعرف حتى أنه دخل في هذه القصة. في الفيديو الأصلي، هو فقط لم يفهم الإنجليزية، وكان يكرر “باكستان” بلد المنشأ، المكتوب على الملصق. لم يجب على سؤال “هل هذا لحم بشر؟” لأنه لم يفهم السؤال أصلا. لكن المونتاج حوّل الصمت إلى إدانة. الصمت، في قواعد اللغة التآمرية، هو دائما أقوى دليل: لم يجب، إذن يخفي شيئا؛ اعتُقل (وهو اختلاق)، إذن اعترف؛ لا وسيلة إعلام تحدثت، إذن الإعلام مراقب. هذه المنطقية مغلقة، لا يمكن كسرها بالوقائع، لأن الوقائع نفسها هي موضوع تفسيرها.

في هذه الآلية، لا يحتاج التضليل إلى اختراع العالم كلّه. يكفي أن يأخذ شظية حقيقية، وينزعها من سياقها، ثم يزرع حولها سياقا بديلا. هكذا تتحول لقطة من متجر في مكان ما إلى فضيحة في عاصمة أوروبية، ويتحول تعليق صوتي إلى شهادة، والمونتاج إلى محقق، والمشاهد إلى قاض. وما إن تستقر الرواية في الوجدان حتى يصبح تصحيحها أقل جاذبية من اختلاقها؛ فالحقيقة تصل غالبا متأخرة، هادئة، ومجردة من الأنياب التي تجعل الكذبة قابلة للانتشار. لكن لماذا نصدق؟ ليس لأننا نفتقر دائما إلى الذكاء، بل لأن الخوف يختصر الطريق أمام التفكير، ولأن الحكاية الصادمة تمنحنا لذة خفية: لذة اكتشاف الوحش، والوقوف في الجانب الأخلاقي الصحيح، وإدانة عالم يبدو أنه ينحدر إلى الهاوية. وقد تستغل بعض الروايات المتداولة مخاوف اجتماعية وثقافية كامنة، فتمنح الشائعة وجها ومكانا ومتهما، وتستدرج الجمهور إلى أحكام لا تسندها الأدلة. وهنا ينبغي الحذر من أن يتحول الشك في خبر كاذب إلى اتهام جماعي لأصحاب مهنة أو جماعة أو هوية.

إن أخطر ما في هذه الحكاية ليس أن شخصا نشر مقطعا مضللا فحسب، بل أن البنية الرقمية تستطيع تحويل الوهم إلى حدث اجتماعي قبل أن يخضع لأي اختبار. ملايين المشاهدات ليست ملايين الشهادات، والانتشار ليس مرادفا للصحة، والإجماع العابر على منصة لا يعادل حكما قضائيا. حين تتقدم سرعة التداول على بطء التحقق، يصبح الإنسان معرضا لأن يدافع عن كذبة لمجرد أنه شعر تجاهها بالغضب، أو أن يجرح بريئا لأنه أحب النهاية المرعبة التي صنعتها له الشاشة. ولذلك لا يكفي أن نسأل: هل باع الجزار لحما بشريا؟ فالمعطيات المتاحة لا تقدم دليلا على وقوع هذه الجريمة، والرواية المتداولة مفبركة السياق. السؤال الأعمق هو: من باعنا هذه الحكاية، ولماذا صممها بحيث تستولي على مخيلتنا قبل أن تستأذن عقولنا؟ من وضع باريس في الخلفية، والشرطة في المشهد، والوحش في مركز الصورة؟ ومن المستفيد من تحويل انتباه الجمهور إلى محاكمة خيالية، بينما يظل صانع الرواية خارج الكادر؟

إن مقاومة التضليل تبدأ بفعل يبدو بسيطا، لكنه صار شكلا من أشكال الشجاعة: أن نؤجل الحكم. أن نبحث عن النسخة الأصلية، وتاريخ النشر، ومصدر الصور، وما إذا كانت جهة موثوقة قد أكدت الواقعة. وأن نقبل، بقدر من التواضع، أن أعيننا قد ترى شيئا، بينما تكون الحكاية التي قيل لنا إنها تفسره مختلقة تماما. في النهاية، لم تثبت حكاية الجزار الباريسي أن الإنسان يأكل أخاه خفية؛ لكنها كشفت كيف يمكن للإنسان أن يلتهم الحقيقة علنا، لقمة بعد أخرى، حين تقدم إليه في هيئة فضيحة شهية. وربما كان الوحش الحقيقي في هذه القصة بلا وجه ولا سكين: إنه ذلك اليقين المتعجل الذي يسكننا، ويطلب رأسا يقطعه قبل أن يسأل إن كانت الجريمة قد وقعت أصلا. لذا، في المرة القادمة التي تمر فيها أمام محتوى يجعلك غاضبا فورا أو خائفا فورا، اسأل نفسك سؤالا بسيطا: هل أنا أحكم على هذا الأمر، أم أنا أستمتع بمتعة الحكم عليه؟ ساق الحصان لن تجيبك. لكن أصبعك وهو يتوقف نصف ثانية فوق زر “إعادة النشر” سيجيب.

One thought on “الجزار الذي باع العالم صورته الأكثر رعبا”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *