بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
في الجغرافيا التي تتعب فيها الحدود من كونها خطوطا على الخرائط، وتتحول إلى أعصاب مكشوفة في جسد أوروبا، ظهر اسم غامض: «الروس السود» (Black Rus). جماعة لم يسمع بها أحد تقريبا قبل أن تعلن، في مقطع مصور نشرته في 9 أكتوبر، مسؤوليتها عن حادث وقع، نقلا عن «فرانس 24»، ليلة 5 إلى 6 أكتوبر، على الحدود بين بيلاروسيا ولاتفيا. وتحدثت الرواية عن محاولة إدخال مهاجرين بصورة غير قانونية إلى الأراضي اللاتفية، وعن سرقة كاميرات للمراقبة. ثم جاء التهديد بما هو أبعد من الحادث: عمليات أخرى لاختبار دفاعات دول حلف شمال الأطلسي. لكن السؤال الذي يوقظ القلق ليس فقط: من هؤلاء؟ بل: ماذا لو كانت القوة السياسية الأكثر إثارة للخوف اليوم هي القدرة على اختراع فاعل، ومنحه اسما ووجها مقنعا وموقعا إلكترونيا وقناة على تلغرام، ثم تركه يتجول في مخيلة العالم مثل شبح له عنوان رقمي ولا جسد مؤكد؟
يقدم أفراد المجموعة أنفسهم بوصفهم «وطنيين بيلاروسيين»، ويدعون إلى وحدة روسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا. لديهم، وفق التقرير، عشرات المقاطع وحضور رقمي متجدد. غير أن أجهزة الأمن اللاتفية فتحت تحقيقا من دون أن تؤكد أن الجماعة موجودة بالفعل بوصفها تنظيما حقيقيا. هنا تبدأ المنطقة الرمادية، حيث لا يعود ممكنا الفصل بسهولة بين الحدث وإعلانه، وبين الفاعل والصورة التي يصنعها عن نفسه، وبين التهديد الذي وقع والتهديد الذي يراد للعالم أن يصدقه. بحسب ماريس أندزانز، من مركز الدراسات الجيوسياسية في ريغا، الذي نقلت عنه «فرانس 24»، فإن احتمال أن تكون الجماعة كيانا حقيقيا يكاد يساوي صفرا. ويرى أن الرجل المقنع الظاهر في الفيديو قد يكون عنصرا من أجهزة الاستخبارات البيلاروسية أو الروسية. أما وزير الدفاع اللاتفي السابق إيمانتس ليغيس، فيعتبر القضية عملية تضليل، مع الدعوة إلى الحفاظ على الهدوء. وهذه تقديرات منسوبة إلى أصحابها، لا أدلة نهائية تثبت هوية من يقف خلف الحسابات أو حقيقة الحادث بكل تفاصيله.
ولفهم خطورة هذا الاحتمال، لا بد من العودة إلى درس قديم من الحرب الحديثة: ليس ضروريا أن يظهر الجندي بزي دولته كي تخدم عمليته مصالحها، وليس ضروريا أن تعلن الدولة مسؤوليتها كي تستفيد من الفوضى. ففي عام 2014، ظهرت في دونباس تشكيلات مسلحة قدمت نفسها باعتبارها قوى محلية مستقلة، بينما ارتبطت الحرب هناك بتدخل روسي واسع. لا يعني هذا أن التاريخ يعيد نفسه حرفيا، ولا أنه يثبت وجود صلة مباشرة بين تلك الوقائع و«الروس السود»، لكنه يذكرنا بأن الغموض حول هوية الفاعل يمكن أن يتحول إلى أداة سياسية بحد ذاته. إن أخطر ما في التضليل ليس الكذبة التي يمكن تكذيبها، بل الرواية التي تسبق الدليل، وتحتل مكانه في الوعي العام. فمقطع مصور قصير قد يزرع شكوكا أكبر مما تستطيع عشرات التقارير تبديده. واسم مجهول قد يدفع دولة إلى إعادة حساباتها الأمنية، ويمنح وسائل الإعلام مادة عاجلة، ويوقظ لدى السكان خوفا لا يحتاج إلى انفجار كي يصبح حقيقة نفسية. عندئذ، لا تعود الدعاية مجرد كلام عن العالم؛ إنها تدخل في تشكيل العالم الذي نزعم أننا نصفه.
ولعل «الروس السود» إسم ملائم لهذه العتمة: ليس لأن هويتهم أو تبعيتهم قد ثبتت، بل لأن السواد هنا يشبه الفراغ الذي يملأه الخيال حين يتأخر التحقيق. من يقف وراء هذا الفراغ؟ دولة، أم شبكة صغيرة تريد تضخيم حضورها، أم أفراد يستثمرون في ارتباك اللحظة؟ وهل يكفي وجود موقع إلكتروني ومقاطع متكررة لإثبات وجود تنظيم، أم أن هذه العلامات نفسها يمكن أن تكون جزءا من مسرحية محكمة؟ في زمن تتكاثر فيه الأدوات الرقمية، صار إنتاج مظهر التنظيم أسهل من إثبات بنيته، وصار ادعاء المسؤولية حدثا إعلاميا حتى قبل التحقق من المسؤولية ذاتها. والحدود هنا ليست مجرد حاجز بين بيلاروسيا ولاتفيا. إنها امتحان لقدرة الديمقراطيات على مقاومة الاستفزاز من دون أن تستسلم له.
فالدولة التي تتجاهل كل تهديد قد تعرض أمنها للخطر، والدولة التي تصدق كل تهديد تمنح خصومها سلطة التحكم في أعصابها. بين الإنكار المريح والذعر المفرط، توجد مساحة أصعب: التحقيق الهادئ، والأدلة القابلة للفحص، والتواصل المسؤول، والامتناع عن تحويل الشك إلى حقيقة لمجرد أن الحقيقة ما زالت غائبة. ثم إن استخدام ملف الهجرة في مثل هذه الوقائع، إذا ثبتت تفاصيله، يفتح بابا آخر للأسئلة. فالمهاجر الذي يظهر في رواية أمنية قد يتحول من إنسان له حكاية وأسباب ومخاطر إلى قطعة في لعبة جيوسياسية، أو إلى أداة لتأجيج الخوف داخل المجتمعات. وهنا يصبح التضليل مزدوجا: تشويش على هوية الفاعل، واختزال البشر الذين تدور حولهم الحكاية إلى وسائل ضغط. لذلك لا ينبغي أن تتحول الاتهامات غير المثبتة إلى ذريعة لإدانة المهاجرين، كما لا يجوز أن يحجب النقاش السياسي ضرورة التحقق من أي اختراق أمني محتمل.
إن السؤال الفلسفي الذي تتركه هذه القضية أعمق من هوية رجل مقنع أمام كاميرا. ماذا يحدث حين يصبح الظهور دليلا في نظر الجمهور، وحين تتقدم الصورة على التحقيق، وحين يمكن لجهة مجهولة أن تزرع الخوف ثم تراقب رد الفعل من وراء الستار؟ ربما تكون القوة الجديدة ليست في امتلاك الحقيقة أو إخفائها فحسب، بل في جعل الآخرين عاجزين عن التمييز بينهما. لهذا، لا ينبغي أن نمنح «الروس السود» حجما لا تثبته الوقائع، ولا أن نستبعد احتمال الخطر لأن هويتهم غامضة. المطلوب أن نبقي الشك في مكانه الصحيح: أداة للفحص لا مصنعا للاتهام. فالحرب التي تتخفى في صورة رواية لا تنتصر دائما بتدمير الحدود؛ قد يكفيها أن تجعل من يعبرونها، ومن يحرسونها، ومن يشاهدون أخبارها، أسرى حكاية لم يثبت بعد من كتبها. وفي عالم تتنازع فيه الدول على الأرض والمعلومة والانتباه، قد يكون الدفاع الأول عن الأمن هو الدفاع عن العقل: ألا نصدق القناع لأنه يتكلم، وألا نعتبر الصمت براءة، وألا نسمح للغموض بأن يتحول إلى يقين جماعي. فالأشباح لا تحتاج دائما إلى أجساد كي تثير الخوف؛ يكفي أحيانا أن نمنحها، نحن، ما ينقصها من حقيقة.
