بقلم: د. عبد الرحمن مكاوي-باريس
إن تعيين مهرداد أخلاقي كتابجي وزيرا للدفاع في إيران، إذا تأكدت المعطيات الواردة بشأنه، لا يبدو مجرد تغيير في قمة الهرم العسكري، ولا إجراء إداريا فرضته مقتضيات الخلافة داخل المؤسسة الدفاعية. إنه، في جوهره، مؤشر على تحول أعمق في التفكير الاستراتيجي الإيراني: الانتقال من إدارة القوة العسكرية بوصفها أداة للردع إلى إعادة بناء القاعدة الصناعية التي تنتج هذه القوة وتمنحها القدرة على الاستمرار في الحرب. فطهران، في لحظة تتقاطع فيها الضربات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والعقوبات الدولية، لا تبحث بالضرورة عن الجنرال الأكثر حضورا أمام الكاميرات، بل عن المسؤول القادر على تحويل المعرفة التقنية إلى قدرة إنتاجية، والموارد المحدودة إلى منظومات تسليح، والضغط الخارجي إلى حافز لإعادة تنظيم المجمع الصناعي العسكري. هنا تكمن دلالة كتابجي: إنه، وفق الصورة التي ترسمها سيرته المهنية، ليس رجل الميدان بالمعنى التقليدي، بل رجل المنظومة التي تسبق الميدان وتحدد شروطه.
منظومة الصواريخ قبل رتبة الجنرال
على امتداد العقود الماضية، أدركت إيران أن امتلاك السلاح لا يساوي بالضرورة امتلاك القوة. فالسلاح الذي يتعذر إنتاجه محليا، أو تعويض خسائره، أو صيانة خطوط تصنيعه تحت القصف والحصار، يظل قدرة محدودة مهما بلغت قيمته التقنية. أما امتلاك قاعدة صناعية قادرة على إعادة الإنتاج والتطوير، فيمنح الدولة قدرة مختلفة: القدرة على الاستنزاف، ومراكمة الخبرة، وامتصاص الصدمات، وإطالة أمد المواجهة. ومن هذا المنظور، تكتسب خبرة كتابجي المفترضة في مؤسسات الصناعات الجوية والدفاعية أهمية تتجاوز المناصب الإدارية التي شغلها. فالمسألة لا تتعلق بإنتاج الصواريخ وحدها، وإنما ببناء منظومة متكاملة تربط التصميم بالتصنيع، والبحث بالتطوير، والإمداد بالاستمرارية، والقرار السياسي بالقدرة المادية على تنفيذه. إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الخصوم في مثل هذه الاستراتيجية ليس امتلاك منظومة تسليح بعينها، بل قدرة الدولة على تعويض ما تفقده، وتطوير ما تتعلمه، وإعادة تشغيل ما تتعرض بنيته للتدمير. فالحرب الحديثة لا تحسمها الضربة الأولى وحدها، بل تحسمها أيضا قدرة المؤسسات على البقاء بعد تلك الضربة.
العقوبات: من أداة احتواء إلى مؤشر على طبيعة الهدف
تضع العقوبات الدولية المفروضة على شخصيات ومؤسسات مرتبطة بالبرنامج الصاروخي الإيراني هذا الملف في قلب المواجهة بين طهران والقوى الغربية. غير أن قراءة العقوبات باعتبارها شهادة على التفوق التقني وحده ستكون قراءة ناقصة؛ فهي، قبل كل شيء، تعبير عن تقدير سياسي وأمني للدور الذي تنسبه الجهات الفارضة للعقوبات إلى الأفراد والمؤسسات المستهدفة. ومع ذلك، فإن استمرار القيود المفروضة على شبكات التوريد والتكنولوجيا والمكونات ذات الاستخدام المزدوج يكشف عن حقيقة استراتيجية مهمة: إن المعركة لا تدور حول الصواريخ بوصفها منتجات نهائية فحسب، بل حول البيئة الصناعية والعلمية واللوجستية التي تجعل إنتاجها ممكنا.
وهنا تظهر المفارقة الإيرانية. فالعقوبات التي تستهدف إضعاف القدرات العسكرية قد تدفع، في بعض الظروف، إلى مزيد من الاعتماد على التصنيع المحلي وتطوير البدائل. لكنها تفرض، في الوقت نفسه، تكاليف مالية وتقنية، وتحد من الوصول إلى بعض المكونات والخبرات والأسواق. ولذلك فإن الحصار لا يصنع التفوق تلقائيا، كما أن القدرة على الالتفاف على القيود لا تعني إلغاء أثرها. إن الاختبار الحقيقي لكتابجي، إن تسلم فعلا هذه المسؤولية، لن يكون في عدد العقوبات التي فرضت عليه، بل في قدرته على تحويل الخبرة المتراكمة إلى إنتاج مستدام، من دون أن تستنزف كلفة إعادة البناء الموارد التي تحتاج إليها الدولة في مجالات أخرى.
من الردع إلى القدرة على الاستمرار
يأتي هذا التعيين، وفق التسلسل الزمني الوارد في المذكرة، في سياق إقليمي بالغ الاضطراب، أعقب المواجهات العسكرية والضربات التي تعرضت لها إيران. وفي مثل هذه الظروف، تصبح إعادة بناء الصناعة الدفاعية جزءا من معادلة البقاء السياسي والعسكري. فالردع لا يقوم على امتلاك وسائل التدمير فقط، بل على إقناع الخصم بأن استخدام القوة لن يحقق أهدافه بالسهولة المتوقعة، وأن كلفة المواجهة قد تتجاوز حساباته الأولية. وتدخل في هذه المعادلة القدرة على مواصلة الإنتاج، وحماية سلاسل الإمداد، وتوزيع المنشآت، واستعادة القدرات المتضررة. لكن الحديث عن انتقال إيران من عقيدة الردع إلى عقيدة التصنيع الحربي يحتاج إلى شيء من الدقة. فالتصنيع ليس نقيضا للردع، بل أحد أعمدته. وما قد يتغير هو وزن العامل الصناعي داخل الحسابات العسكرية الإيرانية، ومدى تحوله من وظيفة داعمة إلى أولوية استراتيجية تتقدم على غيرها. وبهذا المعنى، لا يعني صعود رجل الصناعة العسكرية أن إيران تخلت عن الردع، بل قد يعني أنها تسعى إلى بناء ردع أكثر ارتباطا بالاستمرارية والقدرة على التعويض، لا بمجرد التهديد أو الاستعراض.
رسالة إلى واشنطن: الحرب ليست قنبلة واحدة
أما التصريحات المنسوبة إلى كتابجي بشأن تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستخدام القنبلة الخارقة للتحصينات من طراز «جي بي يو-43/بي»، المعروفة باسم «أم أو إيه بي»، فتعكس منطق المواجهة النفسية الذي كثيرا ما يصاحب الأزمات العسكرية. فالرسالة الإيرانية المفترضة تقوم على فكرة أن التفوق الناري الأمريكي، مهما بلغت شدته، لا يضمن وحده إخضاع الخصم أو إنهاء قدرته على المقاومة. غير أن التهديدات المتبادلة لا ينبغي أن تحجب الفارق بين الخطاب السياسي والنتائج الميدانية؛ إذ تظل فعالية أي استراتيجية رهينة بقدراتها الفعلية، وبحسابات التصعيد، وبقدرة كل طرف على تحمل الكلفة البشرية والاقتصادية والسياسية. وفي هذا السياق، لا تكمن أهمية تعيين مهندس للصناعات العسكرية في أنه يقدم ضمانة بالنصر، بل في أنه يشير إلى تصور يرى أن الحرب الطويلة قد تتحول إلى منافسة بين منظومات إنتاج وإمداد وتعويض، لا بين ترسانتين عسكريتين فحسب.
وزير دفاع أم وزير إنتاج؟
إن اختزال مهمة كتابجي في لقب «وزير الصواريخ» يحمل دلالة سياسية واضحة، لكنه لا ينبغي أن يحجب اتساع المسؤولية الملقاة على وزير الدفاع. فإعادة بناء القوة العسكرية تتطلب موازنة معقدة بين الإنتاج والجاهزية، وبين الإنفاق الدفاعي والقدرة الاقتصادية، وبين الطموح التقني ومخاطر التصعيد. وإذا صح أن اختياره جاء استجابة لحاجة إيران إلى إعادة تنظيم قاعدتها الصناعية العسكرية، فإن الرهان الحقيقي لن يكون في إطلاق برامج جديدة أو إعلان أهداف طموحة، بل في القدرة على تحقيق نتائج قابلة للقياس، وضمان استدامة الإنتاج، وتقليص نقاط الضعف التي كشفتها المواجهات الأخيرة. هنا تتحدد حدود الرهان الإيراني: فالصناعة تستطيع أن تعوض بعض الخسائر، لكنها لا تلغي التفوق الجوي للخصم تلقائيا، ولا تحسم وحدها معركة الاستخبارات والدفاع الجوي والاقتصاد والتحالفات. كما أن تحويل الموارد إلى إنتاج عسكري مكثف قد يعزز بعض القدرات، لكنه يفرض أثمانا على الاقتصاد والمجتمع وعلى أولويات الدولة الأخرى.
الخلاصة: حين يصبح المصنع جزءا من الجبهة
إن الدلالة الأعمق لتعيين مهرداد أخلاقي كتابجي، وفق المعطيات المتداولة، تكمن في احتمال انتقال مركز الثقل داخل المؤسسة الدفاعية الإيرانية نحو منطق الإنتاج والاستمرارية وإعادة البناء. فطهران لا تحتاج، في ظروف الحرب والضغط، إلى من يدير الترسانة القائمة فحسب، بل إلى من يحاول ضمان استمرارها وتطويرها وتعويض ما تفقده. ومع ذلك، فإن وصف المرحلة بأنها انتقال نهائي من الردع إلى إعادة تشكيل صناعي للحرب يظل استنتاجا يحتاج إلى اختبار الممارسة والنتائج. فالتعيينات تكشف اتجاهات النية، أما القدرات الحقيقية فتظهر في الميدان وفي ميزانيات الدولة وفي قدرة المؤسسات على الاستمرار. قد لا يكون كتابجي جنرالا بالمعنى التقليدي، لكنه قد يجسد رهانا على أن مستقبل القوة الإيرانية لن يتحدد بما تملكه اليوم من صواريخ فقط، بل بما تستطيع إنتاجه غدا، وبما تستطيع الحفاظ عليه بعد الضربة الأولى. في الحروب المعاصرة، لا يقف المصنع خلف الجبهة دائما؛ ففي بعض الاستراتيجيات، يصبح المصنع نفسه جزءا من الجبهة.
