من إعفاء وزيرة بعد يومين إلى سؤال تخليق الحياة السياسية

مسؤولية الأحزاب ومعايير الاستوزار وأخلاقيات المسؤولية العامة

بقلم: د. عيسى بابانا العلوي-المغرب

إن بعض الوقائع السياسية، مهما بدت عابرة في زمنها، تكتسب أهمية تتجاوز حدودها المباشرة عندما تكشف عن أسئلة مؤسساتية عميقة، وتضع الممارسة السياسية أمام ضرورة مراجعة أدواتها ومعاييرها. ومن هذا المنظور، فإن إنهاء مهام الوزيرة المنتدبة ماديحة خيير، بعد يومين فقط من تعيينها ضمن الحكومة الجديدة، يستحق قراءة تتجاوز الحدث في ذاته إلى مساءلة أوسع بشأن معايير اختيار المسؤولين العموميين، ومدى استعداد الأحزاب السياسية لتحمل مسؤوليتها في تزكية المرشحين للمناصب الانتخابية والحكومية. لا يتعلق الأمر هنا بإصدار حكم على شخص بعينه، ولا بتحويل الجدل الإعلامي إلى محكمة موازية، وإنما باستثمار واقعة سياسية لطرح سؤال جوهري: كيف يمكن تحصين المؤسسات من الارتباك الذي قد ينشأ عن اختيارات لم تحظ بما يكفي من التحقق والتقدير المسبق للمخاطر السياسية والمؤسساتية؟

أولا: واقعة سياسية قصيرة المدة، طويلة الدلالة

شهد يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026 تعيين ماديحة خيير وزيرة منتدبة مكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، قبل أن يعلن يوم الأحد 18 أكتوبر إنهاء مهامها. ويعد هذا الحدث واقعة سياسية استثنائية بكل المعايير. وقد أوردت هسبريس بالفرنسية توضيحا حكوميا نقله الناطق الرسمي باسم الحكومة، السيد سمير بلفقيه، مفاده أن التدبير السريع لهذا الملف ارتبط بالمسؤولية السياسية والمؤسساتية للحكومة، وبالرغبة في استكمال مسار تشكيلها الدستوري وإعادة تركيز النقاش العمومي على برنامجها والتزاماتها تجاه المواطنين.

ووفق ما نشرته الصحيفة، أشار التوضيح الحكومي إلى أن الحكومة تابعت التطورات التي رافقت التعيين، بما فيها تداول معلومات ذات طابع قضائي وطبي تتصل بالحياة الخاصة للمعنية بالأمر. كما أكد أن رئيسة الحكومة رفعت إلى جلالة الملك محمد السادس طلب إنهاء مهام الوزيرة، استنادا إلى الصلاحيات الدستورية ذات الصلة، ولا سيما الفصل 47 من الدستور، وأن الطلب حظي بالموافقة الملكية. إن هذه المعطيات، في حدود ما نشر، تكفي لإثبات أن الحكومة تعاملت مع الواقعة باعتبارها مسألة ذات أبعاد سياسية ومؤسساتية تستدعي تدبيرا سريعا. لكنها لا تبيح لنا تحويل الوثائق المتداولة أو الروايات الإعلامية إلى حقائق قضائية ثابتة، ولا تسمح لنا بالجزم بما لم يثبته مصدر رسمي أو حكم قضائي نهائي.

وهذا التمييز ليس تفصيلا شكليا، بل هو شرط من شروط التحليل المسؤول. فالحق في النقد لا يلغي قرينة البراءة، والحرص على نزاهة المؤسسات لا يبرر انتهاك الحياة الخاصة، كما أن حماية الأشخاص من الأحكام المسبقة لا تعني إعفاء الفاعلين السياسيين من مساءلة اختياراتهم وتدبيرهم للشأن العام. ومع ذلك، تظل سرعة الانتقال من التعيين إلى إنهاء المهام، في ظرف يومين، مناسبة مشروعة لطرح سؤال عن مدى كفاية إجراءات التحقق والتقدير السابقة على التعيين، وعن الدور الذي ينبغي أن تضطلع به الأحزاب السياسية قبل اقتراح أعضائها لتحمل المسؤوليات الحكومية.

ثانيا: مسؤولية الأحزاب لا تبدأ عند التعيين، بل قبله

تعد الأحزاب السياسية إحدى الدعائم الأساسية للحياة الديمقراطية. وهذا ما يدرس للطلبة في السنة الأولى من شعبة علم السياسة، La science politique، بالمفرد، وليس العلوم السياسية بالجمع، Les sciences politiques. فالأحزاب تؤطر المواطنين، وتعد البرامج، وتختار المرشحين، وتقدم النخب التي تتولى تدبير الشأن العام. ولذلك، فإن مسؤوليتها لا تنحصر في الدفاع عن أعضائها بعد ظهور الأزمات، وإنما تبدأ منذ مرحلة الانتقاء والتزكية، حيث يتعين عليها الجمع بين الاعتبارات الانتخابية والمقتضيات الأخلاقية والمؤسساتية.

إن الحصول على ثقة الناخبين أو التدرج في المسؤوليات الحزبية لا ينبغي أن يكون، بمفرده، كافيا لتزكية أي شخص لمنصب حكومي. فالاستوزار ليس مجرد مكافأة على مسار حزبي، ولا امتدادا آليا للنجاح الانتخابي؛ إنه تكليف عمومي يقتضي توافر الأهلية القانونية، والكفاءة المهنية، والنزاهة، والقدرة على تحمل المسؤولية، فضلا عن إدراك طبيعة المنصب وما يرتبط به من التزامات تجاه الدولة والمواطنين. ومن ثم، يصبح من المشروع أن نتساءل: هل تمتلك الأحزاب السياسية آليات داخلية واضحة وفعالة لفحص ملفات المرشحين للمناصب العامة؟ وهل توازن، في قراراتها، بين الولاء الحزبي والكفاءة، وبين الاعتبارات الانتخابية ومتطلبات المصلحة العامة؟ وهل تتوفر لديها مساطر تسمح بالتثبت من المعطيات ذات الصلة بالأهلية والنزاهة، في إطار القانون واحترام الحقوق الفردية؟

إن طرح هذه الأسئلة لا يعني افتراض التقصير في حالة بعينها من دون دليل، وإنما يرمي إلى استخلاص درس مؤسساتي عام: كلما ارتفعت المسؤولية المنتظرة من المرشح، ازدادت الحاجة إلى وضوح معايير الاختيار ودقة التحقق السابق للتعيين. وإذا كانت المسؤولية السياسية تقتضي الجرأة على اتخاذ القرار عند ظهور معطيات تستدعي المراجعة، فإن المسؤولية الحزبية تقتضي، من باب أولى، بذل العناية اللازمة قبل تقديم المرشح إلى المواطنين أو اقتراحه لتحمل حقيبة وزارية.

ثالثا: من الأهلية القانونية إلى النزاهة والكفاءة

ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات متكاملة، لا يجوز الخلط بينها.

أولها الأهلية القانونية، أي استيفاء الشروط التي يحددها الدستور والقانون لتولي المنصب، وعدم وجود مانع قانوني ثابت يحول دون ذلك. وهذا مجال تحكمه النصوص والمساطر والجهات المختصة، وليس الانطباعات أو الحملات الإعلامية.

وثانيها النزاهة وأخلاقيات المسؤولية، وهما أوسع من مجرد غياب مانع قانوني. فالمسؤول العمومي مطالب بأن يدرك أن المنصب ليس امتيازا شخصيا، بل أمانة تفرض عليه احترام القانون، وصون الثقة العامة، وتجنب تضارب المصالح، والتعامل مع واجباته بشفافية واستقامة.

أما المستوى الثالث فهو الكفاءة والقدرة على الإنجاز. فالمنصب الحكومي، في دولة ما زالت تواجه عددا من التحديات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية المتشابكة، كالمغرب، يحتاج إلى خبرة ملائمة، ورؤية واضحة، وقدرة على اتخاذ القرار وتقييم السياسات العمومية وتحمل تبعاتها. ويتأكد هذا الاحتياج بالنظر إلى الموقع الجيوسياسي للمغرب وما يتيحه من إمكانات لتعزيز مكانته كقوة إقليمية وفاعل وازن على مستوى القارة الإفريقية.

ولا يصح اختزال هذه المستويات في معيار واحد. فالكفاءة المهنية لا تعفي من واجب النزاهة، كما أن السمعة الحسنة لا تغني عن القدرة على تدبير القطاع، ولا يجوز أن تحل الشائعات محل الإثبات القانوني. إن الاختيار السليم هو الذي يجمع بين هذه العناصر، ويجعل المصلحة العامة مقدمة على الحسابات الضيقة، من دون أن يتحول التحقق إلى وسيلة للإقصاء التعسفي أو المساس بالحقوق المكفولة قانونا.

رابعا: ماذا يمكن أن نتعلم من التجارب الديمقراطية المقارنة؟

تختلف الأنظمة الديمقراطية في إجراءات اختيار الوزراء والمنتخبين، وفي مدى التدقيق الذي يسبق تعيينهم. غير أن المقارنة الجادة لا تقوم على استنساخ نموذج أجنبي، بل على استخلاص المبادئ التي يمكن تكييفها مع النظام الدستوري المغربي. ومن أهم هذه المبادئ التمييز بين الموانع القانونية المحددة بنصوص واضحة، وبين المعايير السياسية والأخلاقية التي تتحمل الأحزاب مسؤولية تقديرها. فحيث يحدد القانون حالات عدم الأهلية، لا يجوز توسيعها بالاجتهاد أو بالإشاعة؛ وحيث يتعلق الأمر بالثقة السياسية، يتعين أن تستند القرارات إلى معلومات موثوقة وإجراءات مسؤولة، لا إلى الانطباعات وحدها.

كما تبرز أهمية التدقيق السابق للتعيين في عدد من الممارسات الديمقراطية، من خلال مراجعة السيرة المهنية، والتحقق من المؤهلات، وفحص حالات تضارب المصالح، والتأكد من استيفاء الشروط القانونية ذات الصلة. لكن قيمة هذه الإجراءات لا تكمن في كثرتها، بل في وضوح قواعدها، واحترامها للخصوصية، وخضوعها للمساءلة، وعدم استعمالها أداة لتصفية الحسابات السياسية. ومن الدروس التي يمكن استلهامها أيضا ضرورة الفصل بين التقييم السياسي والتقرير القضائي. فقد ترى جهة سياسية أن استمرار شخص في منصب معين أصبح يثير صعوبات تتصل بالثقة العامة أو بسير المؤسسة، لكن ذلك لا يمنحها حق تقرير إدانة قانونية لا يملك الفصل فيها إلا القضاء المختص. وبناء على ذلك، فإن ما تحتاج إليه الممارسة المغربية ليس استحداث حواجز اعتباطية أمام المشاركة السياسية، بل تطوير آليات واضحة وشفافة للاختيار والتزكية والتعيين، تضمن قدرا معقولا من التحقق المسبق، وتحمي في الوقت نفسه الحقوق الفردية والضمانات الدستورية.

خامسا: نحو إصلاح عملي لمنظومة الانتقاء والتعيين

إن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذه الواقعة هو أن جودة الحكامة تبدأ قبل تسلم المسؤولية، لا بعد وقوع الأزمة. ولذلك، أقترح أن يفتح النقاش العمومي بابا لدراسة مجموعة من التدابير العملية.

أولا، يتعين على الأحزاب السياسية وضع معايير مكتوبة وواضحة لتزكية المرشحين للمناصب الانتخابية والحكومية، تتضمن الكفاءة، والنزاهة، والأهلية القانونية، وروح المسؤولية، والالتزام بخدمة المواطن.

ثانيا، ينبغي تعزيز مساطر التحقق السابقة على التزكية أو التعيين، بما يتناسب مع طبيعة المنصب، وفي الحدود التي يسمح بها القانون. ويشمل ذلك التثبت من الشهادات والخبرات المعلنة، والتحقق من حالات عدم الأهلية القانونية إن وجدت، وتحديد حالات تضارب المصالح المحتملة، مع احترام حماية المعطيات الشخصية والسرية التي يفرضها القانون.

ثالثا، سيكون من المفيد أن تعتمد الأحزاب مواثيق أخلاقية داخلية ملزمة لمنتخبيها ومسؤوليها، تحدد واجبات التصريح بالمصالح، وتضع قواعد للتعامل مع الشبهات الجدية، وتنظم كيفية إجراء التقييم الداخلي من دون إدانة مسبقة أو تستر على اختلال ثابت.

رابعا، يمكن التفكير في إحداث آلية استشارية مستقلة، أو تعزيز الآليات القائمة، لدراسة المعايير العامة للنزاهة وتضارب المصالح في التعيينات العليا، على أن تكون اختصاصاتها محددة قانونا، وألا تتحول إلى جهاز يمنح صكوكا سياسية بالأهلية أو يتدخل في اختصاصات القضاء.

خامسا، ينبغي تعزيز مسؤولية القيادة الحزبية في تفسير اختياراتها وتقييمها، لا من خلال كشف المعلومات الخاصة أو المساس بكرامة الأفراد، بل من خلال بيان المعايير المعتمدة، وتوضيح كيفية التثبت من المؤهلات، ومراجعة الإجراءات عند ظهور اختلالات موضوعية.

سادسا، من الضروري تكريس ثقافة سياسية تعتبر التراجع عن اختيار غير مناسب، حين تدعو إليه معطيات موثوقة أو اعتبارات مؤسساتية جدية، شكلا من أشكال تحمل المسؤولية، لا بالضرورة اعترافا بصحة كل ما يروج في الفضاء الإعلامي. فالمؤسسات القوية ليست تلك التي لا تواجه المشكلات، وإنما تلك التي تمتلك القدرة على التعامل معها في إطار القانون، وبالقدر اللازم من الشفافية والإنصاف.

وأخيرا، ينبغي ألا يقتصر النقاش على الوزراء وحدهم؛ فالمعايير الأخلاقية والقانونية والمهنية ينبغي أن تحكم مختلف مواقع المسؤولية العامة، كل بحسب طبيعة مهامه واختصاصاته، مع احترام استقلال السلطات وتمايز أدوارها. إن إصلاح منظومة الاختيار لا يتحقق بإجراءات ظرفية مرتبطة بحادثة واحدة، بل بتحويل الدروس المستخلصة من الوقائع إلى قواعد مؤسساتية مستدامة.

سادسا: أخلاقيات المسؤولية في ضوء التوجيهات الملكية

يكتسب النقاش حول معايير الاستوزار بعده الوطني الأعمق عندما نضعه في سياق التوجيهات الملكية المتعلقة بتخليق الحياة العامة، ونزاهة العمل السياسي، وربط السلطة بالمساءلة والمحاسبة. ففي خطابه بمناسبة الذكرى السابعة عشرة لعيد العرش، بتاريخ 30 يوليو 2016، أكد الملك محمد السادس، وفق الاقتباس الوارد في النص، أن: «إن تمثيل المواطنين في مختلف المؤسسات والهيئات، أمانة جسيمة. فهي تتطلب الصدق والمسؤولية، والحرص على خدمة المواطن، وجعلها فوق أي اعتبار». ولم يقف التوجيه الملكي عند حدود الدعوة الأخلاقية العامة، بل ربط تحمل المسؤولية بمفهوم للسلطة يشمل كل من يمارس صلاحية عمومية، منتخبا كان أو مسؤولا، وأكد أن هذا المفهوم يقوم على المساءلة والمحاسبة وتطبيق القانون. كما دعا الأحزاب إلى تقديم مرشحين تتوافر فيهم الكفاءة والنزاهة وروح المسؤولية والحرص على خدمة المواطن.

إن أهمية هذا التوجيه تكمن في أنه يجعل مسؤولية الاختيار جزءا من مسؤولية التدبير. فالحزب الذي يزكي المرشح لا يؤدي وظيفة تنظيمية فحسب؛ إنه يشارك في إعداد النخب التي ستتولى تمثيل المواطنين وتدبير شؤونهم. ومن ثم، فإن النزاهة والكفاءة ليستا مطلبين إضافيين يمكن الاستغناء عنهما، بل من الشروط التي ينبغي أن توجه عملية الاختيار منذ بدايتها. ويترتب على ذلك أن تخليق الحياة السياسية لا يمكن أن يظل شعارا موسميا يستحضر في الخطب والبرامج، ثم يتراجع أمام الحسابات الانتخابية أو التوازنات الحزبية. إنه ورش مؤسساتي دائم، يتطلب قواعد معلنة، ومساءلة فعلية، وتربية سياسية تجعل خدمة المواطن معيارا مركزيا في تقييم المسؤولين.

ومن المهم، في هذا السياق، ألا يفهم ربط المسؤولية بالمحاسبة على أنه دعوة إلى الإدانة المسبقة أو إلى محاكمة الأشخاص خارج المؤسسات المختصة. فدولة القانون لا تستقيم إلا باجتماع عنصرين متلازمين: عدم التساهل مع الإخلال الثابت بالواجب، وعدم المساس بحقوق الأفراد بناء على ادعاءات غير مثبتة. وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن تحكم أي إصلاح جاد: صرامة في حماية المصلحة العامة، وعدالة في التعامل مع الأشخاص، واحترام لاختصاصات المؤسسات، ووضوح في معايير الاختيار والمحاسبة.

خاتمة: المسؤولية ليست امتيازا

إن إنهاء مهام وزيرة بعد يومين من تعيينها واقعة تستحق التأمل، لا لأن قصر المدة يسمح وحده باستخلاص حكم نهائي على الأشخاص، بل لأنه يضع أمامنا سؤالا مؤسساتيا بالغ الأهمية: هل نبذل قبل التعيين ما يكفي من العناية والتحقق حتى لا تصبح مؤسسات الدولة مضطرة إلى معالجة اختلالات كان من الممكن تداركها في مرحلة الاختيار؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا تكون بتغليب الاتهام على البراءة، ولا بتغليب الحسابات الحزبية على المصلحة العامة، وإنما بتطوير ثقافة سياسية ومؤسساتية تجعل الأهلية القانونية والنزاهة والكفاءة معايير متكاملة، وتحمل الأحزاب مسؤولية خياراتها، وتمنح الحكومة القدرة على تدبير الأزمات بحكمة وشفافية. فالمسؤولية العامة ليست امتيازا شخصيا، ولا مكافأة حزبية، ولا مجرد انتقال إلى موقع أعلى في سلم المناصب؛ إنها أمانة تتطلب الاستعداد لها، والقدرة على أداء واجباتها، والقبول بمقتضيات المساءلة التي تترتب عليها.

ولعل أبلغ ما يختتم به هذا النقاش هو استحضار التوجيه الملكي الذي يجعل تمثيل المواطنين أمانة جسيمة، ويشترط في من يتحملها الصدق والمسؤولية وخدمة المواطن فوق كل اعتبار. فالمطلوب اليوم ليس إصدار الأحكام على الأشخاص، وإنما الارتقاء بقواعد الاختيار، وتعزيز أخلاقيات الممارسة السياسية، وصيانة الثقة في المؤسسات. إن تخليق الحياة السياسية لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل بتكامل القانون والأخلاق والكفاءة والمحاسبة. ولا تصان كرامة المؤسسات بإنكار الاختلالات، كما لا تصان حقوق الأفراد بالتساهل مع المسؤولية؛ وإنما يتحقق الأمران معا حين يحتكم إلى الوقائع الموثوقة، وتحترم قرينة البراءة، وتفعل آليات المساءلة، وتقدم المصلحة العامة على كل اعتبار آخر. ذلك هو الدرس الذي ينبغي أن يبقى بعد انقضاء الجدل حول هذه الواقعة: أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من حسن الاختيار، وأن الثقة العامة تكتسب بالنزاهة والكفاءة، وأن خدمة المواطن تظل الغاية التي من أجلها تمارس المسؤولية السياسية.

One thought on “من إعفاء وزيرة بعد يومين إلى سؤال تخليق الحياة السياسية”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *