بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
الحكومات لا تحتاج إلى ملتمس رقابة كي تتعثر؛ يكفي أن تترك المرآة في مواجهة أسمائها، وأن تنتظر قليلا حتى تبدأ الشقوق في الكلام. في المغرب، يبدو أحيانا أن السياسة تسير فوق أرض من زجاج، بينما يتصرف بعض عابريها كما لو أنهم يمشون فوق غيم لا يحتفظ بالأثر. تعود قضية أحمد المهدي المزواري، الوزير المنتدب المكلف بالصيد البحري، لتضع سؤالا قديما في ثوب جديد: كيف تنتقل بعض الأسماء من فضاء الاختلالات التي تسجلها أجهزة الرقابة إلى مقاعد المسؤولية الحكومية، من دون أن تمر عبر امتحان علني صارم يبدد الشكوك؟
تقول الوقائع المنشورة في تقرير المجلس الأعلى للحسابات بشأن تدقيق حسابات الأحزاب السياسية لسنة 2022 إن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية حصل على دعم عمومي إضافي مخصص للدراسات والأبحاث، ثم تعاقد مع شركة «MELA STRATEGIE & CONSEIL» لإنجاز 23 دراسة مقابل مليون و835 ألف درهم. وكان المزواري من المساهمين في الشركة، إلى جانب الحسن لشكر وريم العاقد. ليست هذه وحدها عقدة الحكاية؛ فالعقد لم يتضمن اتفاقيات تفصيلية مستقلة تحدد شروط كل دراسة وكلفتها، ولم يقدم الحزب سوى 21 وثيقة، وصفها المجلس بأنها عروض ومذكرات موجزة لا تستوفي المنهجية العلمية المطلوبة. أما الدراستان الغائبتان، فتتعلقان بمؤشرات الحكامة المؤسساتية وسيادة القانون.
هذه ملاحظات رقابية موثقة، لا حكم قضائي بالإدانة. والفارق بين الأمرين هو الفارق بين دولة القانون ومحكمة المقاهي. لكن احترام قرينة البراءة لا يعني منح الأسئلة حصانة من الضوء؛ بل يقتضي فتح الملفات، وتقديم الأجوبة، وترك المؤسسات المختصة تقول كلمتها. وقد دافع الحزب عن اختياره، معتبرا أن القانون لا يمنعه من التعاقد مع مكتب قريب من مرجعيته السياسية، وأن تقييم مضمون الدراسات من اختصاصه. غير أن السؤال الذي يطرق الباب بعنف ليس: هل يجوز لحزب أن يتعاقد مع مكتب دراسات؟ بل: ما الضمانات حين تلتقي الأموال العمومية والمصالح الحزبية والملكية الخاصة في غرفة واحدة؟ وهل تكفي شرعية العقد إذا كانت جودة المخرجات موضع اعتراض من جهاز الرقابة؟ في السياسة، ليست كل صفقة مخالفة، لكن كل صفقة تمولها الخزينة مطالبة بأن تشرح نفسها. فالمال العام ليس ميراثا حزبيا، والدعم العمومي ليس كيسا من الدراهم يختفي في متاهة المصطلحات. وإذا كانت الدراسة لا تحتاج إلى منهجية، فما الذي يحتاج إليها؟ ربما تحتاجها السياسة أكثر من غيرها، لأنّها الفنّ الذي يستطيع فيه المرء أن يكتب عشرين صفحة عن الحكامة من دون أن يحكم حتى على الفاصلة في عقده.
ولا تقف الأسئلة عند المزواري. فالسجال الذي رافق اسم مديحة خيير، وما أثير بشأن فاطمة السعدي في التداول الإعلامي والسياسي، يفتح نقاشا أوسع حول معايير الانتقاء والمساءلة. غير أن الإنصاف يفرض ألا نضع الملفات المختلفة في سلة واحدة، ولا أن نستبدل التحقق من الوقائع بتراكم الأسماء. لكل قضية وثائقها، ولكل مسؤول حقه في الرد، ولكل مؤسسة واجبها في التوضيح. أما أن تتحول التعيينات إلى سباق مع الأزمات، فتلك مشكلة في هندسة القرار قبل أن تكون مشكلة في هندسة الصورة. وهنا يحضر السؤال الأكثر إحراجا: أين كان المستشارون المحيطون برئيسة الحكومة؟ هل انتهت وظيفة المستشار عند إعداد قوائم المرشحين وتلميع السير الذاتية، أم تشمل البحث في تضارب المصالح المحتمل، والتدقيق في السمعة المهنية، واستشراف الكلفة السياسية والأخلاقية لكل تعيين؟
إن مستشارا لا يرى الحفرة إلا بعد سقوط العربة ليس مستشارا؛ إنه شاهد عيان يتقاضى راتبا قبل وقوع الحادث. أما الاختيار، مهما ارتفعت معاييره التقنية، فلا يعفي من امتحان الوعي والمرجعية الأخلاقية. فالكفاءة تعرف كيف تدير الملفات، لكن النزاهة تعرف لماذا لا ينبغي أن تتحول الملفات إلى امتيازات. والمنصب العام ليس مكافأة على الولاء، ولا جائزة ترضية عن مسار حزبي، بل عقد ثقة مع مواطن يدفع الضرائب ولا يملك ترف إهدارها. ومن يقبل حقيبة وزارية ينبغي أن يعرف أن ما يحمله ليس اسما على باب مكتب، بل عبء من الأسئلة والواجبات والحقوق.
لماذا لا يعتمد المغرب، بصورة أكثر انتظاما وصرامة، جلسات استماع برلمانية علنية للمرشحين إلى المناصب الحكومية الحساسة؟ في الولايات المتحدة، تخضع تعيينات كثيرة، خصوصا في المناصب العليا التي تتطلب مصادقة مجلس الشيوخ، لجلسات استماع وفحص للسجلات والمصالح؛ وفي الكويت، يملك البرلمان أدوات دستورية لاستجواب الوزراء ومساءلتهم بعد توليهم المسؤولية. ليست التجربتان متطابقتين مع النظام الدستوري المغربي، ولا يمكن استنساخهما كما تستنسخ وصفة جاهزة، لكنهما تذكراننا بأن السلطة التنفيذية لا ينبغي أن تكون غرفة مغلقة لا يدخلها السؤال إلا بعد أن تتصاعد رائحة الدخان.
يمكن للمغرب أن يطور آلية وطنية ملائمة لدستوره: جلسات استماع قبل التعيين في بعض المناصب، وتصريح علني بالمصالح الاقتصادية، وقواعد واضحة للتنحي عن الملفات التي تنطوي على تضارب محتمل، ونشر أجوبة المرشحين عن الأسئلة المتعلقة بتدبير المال العام. وبعد التعيين، يمكن تقوية الرقابة البرلمانية عبر جلسات مساءلة قطاعية دورية، ومتابعة تنفيذ توصيات المجلس الأعلى للحسابات، وإعلان ما اتخذ بشأنها من إجراءات. ليست الغاية التشهير، بل منع الشبهة من التحول إلى أزمة، ومنع الأزمة من التحول إلى عادة. إن الحكومة التي تريد أن تحكم بثقة لا يكفيها أن تنتقي أشخاصا ذوي خبرة؛ عليها أن تثبت أنها انتقت أيضا أشخاصا قادرين على تحمل الضوء. وإذا كان ملتمس الرقابة أداة دستورية لمحاسبة الحكومة سياسيا، فإن تآكل الثقة قد يسبق استعماله، مثل صدع صغير في جدار لا يسقطه أحد من الخارج، لكنّه يظل يتسع كلما تجاهله الساكنون.
لا يتعلق الأمر بمليون وثمانمائة وخمسة وثلاثين ألف درهم وحدها، ولا باسم وزير وحده، بل بمعنى المسؤولية في دولة تريد أن تجعل المحاسبة قاعدة لا موسما، والشفافية ممارسة لا شعارا. فالدراسات التي لا تملك منهجية قد تنتج أوراقا، لكنها لا تنتج معرفة؛ والحكومات التي لا تراجع معايير اختيارها قد تنتج قرارات، لكنها لا تنتج الثقة. ولعل المفارقة الأكثر مرارة أن البلاد لا تحتاج إلى كاتب مسرحي بارع كي يبتكر حبكة سقوطها؛ يكفي أن تتكفل الوقائع بكتابة الفصول، وأن يصر أصحاب القرار على قراءة المرآة باعتبارها نافذة. وحين يحدث ذلك، لا يكون السؤال من أسقط الحكومة، بل لماذا لم تنتبه، وهي تختار من يجلس في مقاعدها، إلى أن أول شروط الحكم هو القدرة على الوقوف أمام الناس بلا ستار.
