المغرب 2027: السيادة تبنى في الجهات… من امتلاك الموارد إلى امتلاك القرار

بقلم ماركو باراطو, مراسل الورقاء بالفاتيكان-إيطاليا (الصياغة العربية لزكية لعروسي)

لم تعد أصبحت السيادة في عالم اليوم تحدد بمدى تحكمها في الشروط المادية والتكنولوجية التي تتيح لها اتخاذ قراراتها باستقلالية. فالدولة التي تعجز عن تأمين مياهها، أو تظل رهينة تقلبات أسواق الطاقة والغذاء، أو تعتمد على غيرها في مفاتيح تحولها الرقمي، تظل استقلاليتها معرضة لاختبارات تتجاوز حدود السياسة التقليدية. من هذا المنظور، يشكل أفق قانون المالية المغربي لسنة 2027 فرصة لإعادة طرح سؤال يتجاوز حجم الاستثمارات والاعتمادات المرصودة: كيف تتحول الموارد الوطنية إلى قدرة فعلية على الصمود والإنتاج، وكيف تتحول هذه القدرة إلى تنمية عادلة بين الجهات؟

الأطروحة المركزية واضحة: السيادة الاستراتيجية ليست مجرد سياسة قطاعية، والجهوية المتقدمة ليست مجرد إصلاح إداري؛ إنهما مشروع واحد لإعادة بناء قدرة الدولة على اتخاذ القرار وتنفيذه ومساءلة المسؤولين عنه.

الماء والطاقة والغذاء: ثلاث جبهات لاختبار السيادة

يضع الإجهاد المائي الذي يواجه المغرب مسألة الأمن المائي في صدارة الأولويات الوطنية. غير أن الاستجابة لا يمكن أن تقتصر على تعبئة موارد إضافية عبر السدود والتحلية، مهما كانت أهميتها. فالتحدي الحقيقي يكمن في إصلاح منظومة التدبير: الحد من ضياع المياه، وترشيد الاستهلاك، وتحديث الري، وإعادة استعمال المياه المعالجة، وحماية الفرشات المائية من الاستنزاف. إن الاستثمار في العرض المائي، من دون إصلاح الطلب، قد يخفف الضغط مؤقتا لكنه لا يعالج أسبابه البنيوية. لذلك ينبغي أن تصبح السياسة المائية جزءاً من التخطيط الاقتصادي والترابي، بحيث تُربط الخيارات الزراعية والصناعية والعمرانية بالكلفة المائية الفعلية وبقدرة كل مجال على تجديد موارده.

وفي المجال الطاقي، يمتلك المغرب مؤهلات مهمة لتوسيع إنتاج الطاقة الشمسية والريحية وتقليص تعرضه لتقلبات أسواق المحروقات. لكن الانتقال الطاقي ليس بالطاقة المركبة وحدها، بل بقدرته على بناء صناعة محلية، وتطوير التخزين والشبكات، ونقل المعرفة، وخلق فرص العمل. فالسيادة لا تتحقق بمجرد إنتاج الطاقة النظيفة، وإنما أيضا بامتلاك جانب أكبر من التكنولوجيا وسلاسل القيمة المرتبطة بها. أما الأمن الغذائي، فيتطلب تجاوز المعادلة التقليدية التي تختزل النجاح في زيادة الإنتاج. فالإنتاج الذي يستنزف الماء، أو لا يضمن دخلا منصفا للفلاح، أو لا ينعكس على القدرة الشرائية للمواطن، يظل محدود الأثر من منظور السيادة والتنمية. والمطلوب هو مواءمة الإنتاج الزراعي مع الموارد المتاحة، وتنويع مصادر التموين، وتحسين التخزين والتوزيع، وتطوير البحث الزراعي، وتقليص الاختلالات التي تفصل بين سعر المنتج وكلفة الاستهلاك. تلتقي هذه الملفات عند حقيقة واحدة: لا يمكن بناء سيادة اقتصادية مستدامة بسياسات قطاعية متفرقة. فالماء يحدد خيارات الزراعة، والطاقة تؤثر في كلفة الإنتاج، والتكنولوجيا ترفع كفاءة التدبير، بينما تحدد الحكامة مدى تكامل هذه العناصر.

السيادة الرقمية: استقلال القرار في عصر البيانات

لم يعد التحول الرقمي مجرد وسيلة لتحديث الإدارة، بل أصبح جزءا من القدرة السيادية للدولة. فالبيانات، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية باتت تؤثر في الإنتاجية والأمن الاقتصادي وجودة الخدمات العمومية. ولا تعني السيادة الرقمية الانغلاق عن الشراكات الدولية، وإنما امتلاك المعرفة والقدرة التفاوضية اللازمتين لاختيار التكنولوجيا وحماية البيانات وضمان استمرارية الأنظمة الحيوية. كما تقتضي الاستثمار في الكفاءات والبحث والابتكار، وتطوير خدمات عمومية تقلص الكلفة الإدارية وتضمن تكافؤ الولوج.

لكن الرقمنة لا تصلح وحدها أعطاب الإدارة. فإذا نُقلت الإجراءات المعقدة إلى المنصات الإلكترونية من دون تبسيطها، فإن الدولة تكون قد رقمنت البيروقراطية بدل إصلاحها. لذلك ينبغي تقييم التحول الرقمي بما يحققه من سرعة وشفافية وجودة في الخدمة، لا بعدد المنصات التي أُطلقت. وهنا تبرز الصلة بين التكنولوجيا والحكامة: الأدوات الرقمية تستطيع تحسين التتبع وكشف الاختلالات، لكنها لا تعوض وضوح المسؤوليات، ولا استقلال الرقابة، ولا حق المواطن في الوصول إلى المعلومة.

الجهوية المتقدمة: من توزيع الاختصاصات إلى توزيع القدرة على الفعل

إذا كانت السيادة تتطلب تكاملا بين السياسات الوطنية، فإن نجاحها يظل رهينا بمكان اتخاذ القرار وكيفية تنفيذه. وهنا تكمن القيمة الاستراتيجية للجهوية المتقدمة. فالمركزية المفرطة قد تجعل القرار بعيدا عن خصوصيات المجالات الترابية، وتؤخر الاستجابة للحاجات المحلية، وتشتت المسؤولية بين الإدارات. غير أن نقل الاختصاصات إلى الجهات لا يضمن، في حد ذاته، تحسين التدبير؛ إذ يمكن أن تنتقل الاختلالات نفسها من المركز إلى المستوى المحلي إذا غابت الشفافية والكفاءة والمحاسبة. لذلك لا ينبغي قياس تقدم الجهوية بعدد الصلاحيات المنقولة أو المؤسسات المنشأة، بل بمدى قدرة الجهات على تحديد أولوياتها، وإعداد مشاريع قابلة للتنفيذ، وتعبئة الموارد اللازمة، وتحقيق نتائج يمكن التحقق منها. وهذا يقتضي ثلاثة شروط مترابطة.

– أولها، التناسب بين الاختصاص والموارد: فلا معنى لتحميل الجهات مسؤوليات تنموية من دون تمويل مستقر وكفاءات بشرية وإدارية مؤهلة.

– وثانيها، وضوح المسؤولية: يجب أن يعرف المواطن الجهة التي تقرر، والمؤسسة التي تنفذ، والسلطة التي تراقب، حتى لا تتحول تداخلات الاختصاصات إلى وسيلة لتبادل اللوم والإفلات من المحاسبة.

– وثالثها، الشفافية في تدبير المال العام: من خلال نشر المعطيات المتعلقة بالميزانيات والصفقات وتقدم المشاريع، وربط الإنفاق بنتائج قابلة للقياس، وإتاحة تقييم مستقل للبرامج العمومية.

بهذه الشروط، تصبح الجهوية المتقدمة وسيلة لتقريب الدولة من المواطن، لا مجرد إعادة توزيع إداري للسلطة. أما المقارنة بالنماذج الفيدرالية، فينبغي أن تنصب على آلياتها العملية في توزيع الاختصاصات والموارد وتسوية النزاعات المؤسساتية، لا على استنساخ أشكالها الدستورية. فالمعيار ليس اسم النظام، بل قدرته على الجمع بين وحدة الدولة وفعالية التدبير الترابي والمساءلة الديمقراطية.

قانون المالية 2027: امتحان النتائج لا حجم الاعتمادات

تتيح مناقشة قانون المالية لسنة 2027 فرصة لترجمة هذه الرؤية إلى خيارات عملية. فالمطلوب ليس فقط تعبئة الاستثمارات، وإنما تحسين طريقة اختيارها وتوزيعها وتقييم أثرها.

أولا، ينبغي توجيه الاستثمار وفق الحاجات والإمكانات الفعلية لكل جهة، مع إعطاء الأولوية للمجالات التي تعاني خصاصا في الماء والبنية التحتية والخدمات الأساسية، أو تمتلك فرصاً إنتاجية غير مستثمرة.

ثانيا، يتعين الانتقال بصورة أكثر وضوحا إلى ميزانية النتائج. فبدلا من الاكتفاء بالإعلان عن الاعتمادات المرصودة، ينبغي تحديد الأهداف والآجال ومؤشرات الإنجاز، ثم نشر حصيلة التنفيذ. فالاعتماد المالي وسيلة، وليس دليلا على النجاح.

ثالثا، يجب إدماج الأمن المائي والطاقي والغذائي في التخطيط الترابي، حتى لا تتعارض القرارات القطاعية أو تؤدي إلى استثمارات مرتفعة الكلفة وضعيفة المردودية.

رابعا، ينبغي تعزيز القدرات المالية والتقنية للجهات بالتوازي مع توسيع مسؤولياتها، مع إخضاع تدبيرها لمنظومة رقابة واضحة وفعالة.

وأخيرا، يتعين جعل الرقمنة أداة لتبسيط المساطر، وتيسير الوصول إلى المعلومات، وتتبع المشاريع العمومية، وتحسين الخدمات، مع ضمان حماية المعطيات الشخصية والأمن السيبراني. بهذه المقاربة، يمكن أن يتحول قانون المالية من وثيقة لتوزيع النفقات إلى أداة لتوجيه التحول الاقتصادي والاجتماعي، ومن مناسبة سنوية لإعلان الطموحات إلى آلية لمساءلة المؤسسات عن النتائج.

العدالة المجالية: المعيار الذي تُقاس به السيادة

لا تكتمل السيادة الاستراتيجية إذا بقيت ثمارها محصورة في قطاعات أو مجالات ترابية محددة. فالمشاريع الكبرى تكتسب قيمتها الوطنية حين تتحول إلى فرص عمل، وخدمات أفضل، وقدرات إنتاجية محلية، وتقليص للفوارق في شروط العيش. ولا تعني العدالة المجالية توزيع الاستثمارات بالتساوي الحسابي بين الجهات، بل توجيهها وفق اختلاف الحاجات ومستويات التجهيز والإمكانات الاقتصادية. فالإنصاف يقتضي أحياناً استثماراً أكبر في المناطق التي تحتاج إلى تجاوز عوائق بنيوية تمنعها من الاندماج في الدورة الاقتصادية الوطنية.

كما أن الثقة في المؤسسات لا تُبنى بالخطاب وحده، بل بقدرة المواطن على ملاحظة أثر السياسات في حياته اليومية: في توفر الماء، وجودة المدرسة، وإمكانية الوصول إلى العلاج، وفعالية النقل، وعدالة فرص العمل، وشفافية الإدارة. ومن ثم، فإن الجهوية المتقدمة ليست هدفا مؤسساتيا منفصلا عن السيادة، بل إحدى الوسائل التي تجعلها ملموسة اجتماعيا. فالدولة التي تنجح في تعبئة مواردها لكنها تعجز عن تحويلها إلى فرص منصفة، تظل أمام فجوة بين القوة الاقتصادية والشرعية الاجتماعية للتنمية.

قوة الدولة في قدرتها على تمكين المجالات ومحاسبة المسؤولين

يقف المغرب، في أفق 2027، أمام تحدّ يتجاوز تحديد أولويات الاستثمار إلى إعادة تنظيم العلاقة بين الموارد والقرار والمسؤولية. فالأمن المائي والطاقي والغذائي، والسيادة الرقمية، والجهوية المتقدمة ليست ملفات متجاورة؛ إنها مكونات مشروع واحد يرمي إلى تقليص التبعية، وتعزيز القدرة الإنتاجية، وتحسين فعالية الدولة. والاختبار الحقيقي لا يكمن في عدد المشاريع التي ستُعلن، بل في مدى قدرتها على معالجة الاختلالات البنيوية. ولا يكمن في توسيع صلاحيات الجهات وحده، بل في تزويدها بالوسائل اللازمة وربط أدائها بالمحاسبة. كما لا يكمن في حجم الإنفاق العمومي فحسب، بل في القيمة الاقتصادية والاجتماعية التي ينتجها كل استثمار.

إن الدولة القوية ليست التي تحتكر القرار في جميع تفاصيله، بل التي تعرف ما يجب أن يُحسم على المستوى الوطني، وما ينبغي أن يُدار ترابياً، وتضمن التنسيق بينهما من دون ضياع المسؤولية. ووحدة الدولة لا تتعارض مع تمكين الجهات؛ بل تتعزز حين يشعر المواطن بأن المؤسسات تستجيب لحاجاته، وأن الموارد العامة تدار وفق قواعد واضحة، وأن المسؤولية لا تضيع بين مستويات الحكم. هنا تلتقي السيادة بالجهوية: الأولى تمنح الدولة القدرة على الاختيار المستقل، والثانية تمنح هذا الاختيار القدرة على التحول إلى نتائج في حياة المواطنين.

وعليه، فإن الرهان المغربي في 2027 ليس مجرد تأمين الموارد أو تحديث الإدارة، بل بناء منظومة تجعل الموارد أكثر إنتاجية، والقرار أكثر قربا من الواقع، والإنفاق أكثر خضوعا للمساءلة، والتنمية أكثر إنصافا بين الجهات. ففي عالم تتزايد فيه المنافسة على الموارد والتكنولوجيا، لا تكفي وفرة الإمكانات لضمان الاستقلال، كما لا تكفي سلامة المؤسسات شكليا لضمان النجاعة. القوة المستدامة تنشأ حين تلتقي الرؤية الاستراتيجية بحسن التدبير، والقرار الوطني بالمبادرة الترابية، والاستثمار العمومي بالمساءلة. إن السيادة التي لا تتحول إلى قدرة على الإنتاج، والجهوية التي لا تتحول إلى قدرة على الفعل، والميزانية التي لا تُترجم إلى نتائج، تظل جميعها وعوداً غير مكتملة. أما الدولة التي تجمع بينها، فإنها لا تكتفي بمواجهة الأزمات، بل تبني القدرة على استباقها وتحويلها إلى فرص للتقدم. وهذا هو المعيار الأجدى للحكم على طموح المغرب في أفق 2027: ليس ما يعلنه من مشاريع، بل ما يحققه من استقلال فعلي في القرار، ونجاعة في المؤسسات، وعدالة في توزيع ثمار التنمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *