بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
في غابة ما، في مكان ما بين سهول كندا وأحراج سيبيريا، يقف كائن يبلغ طوله مترين عند الكتف، ويزن ستمئة كيلوغرام من العضلات والصمت، ويرفع رأسه الذي تتوّجه قرون كغصون يابسة، فيُصدر صرخة منخفضة تخرق الأشجار، صرخة لا تشبه أنين الحبّ ولا زئير الحرب، بل شيئا بينهما: إعلان رغبة كونية. ثم، في مشهد يبدو وكأن الطبيعة قررت أن تسخر من أناقتنا، يحفر هذا العملاق حفرة صغيرة بظلفه، يتبوّل فيها بكل هدوء، ثم يتمرّغ بجسده في تلك البركة العفنة، حتى يصبح فروه المتّسخ حاملا لعطر لا يفهمه أحد إلا إناث جنسه. هذا ليس نكتة. هذا هو الأيّل، أو الموظ، في ذروة رجولته. وهذا البول، في عالمه، ليس نجاسة. إنه رسالة حبّ مكتوبة بلغة كيميائية لا تجيدها القواميس.
في سبتمبر وأكتوبر، حين تنقلب الغابات إلى مسرح للرغبة، لا يعتمد ذكر الأيّل على قرونه الهائلة فقط، تلك التي تُستخدم في مبارزات قد تنتهي بموتٍ بطيء بين الأشجار. القرون تعرض القوة، نعم. لكن القوة وحدها لا تغري إن لم تكن مصحوبة بشهادة من الجسد نفسه: شهادة على الصحة، على الطاقة، على الاستعداد. يلجأ الذكر إلى حيلة تبدو لنا، نحن المخلوقات المتحضرة التي نغتسل كل صباح، مقززة إلى حدّ الاشمئزاز: يحفر حفرة، يبول فيها، ثم يخلط التراب والبول بحوافره الأمامية، ويلطّخ بهما فروه. بل إنه قد يستلقي بجسده كاملا في تلك الحفرة، ليغدو، حرفيًا، مغمورا برائحته الذاتية. والأنثى؟ الأنثى تأتي. الأنثى تتنشّق. بل إن دراسة نشرت في The American Naturalist عام 1991، اعتمادا على ملاحظات في متنزه دينالي بألاسكا، رصدت إناثا تتنازع فيما بينها على الوصول إلى بول الذكور. نعم، تتنازع. نحن نتهافت على العطور المستوردة، وهي تتهافت على بول طازج في حفرة. من منّا الأحمق حقا؟

لكن الحكاية أعمق من مجرد نزوة غريزية. إنها، كما يبدو، نظام اتصالٍ كامل. تشير أبحاث في Journal of Chemical Ecology إلى أن بول الذكر يحتوي على مركّبات كيميائية قد تعمل كفيرومونات، وترتبط بحالة الجسد، وبمدى استعداد الذكر للتضحية باحتياطي دهونه من أجل موسم التزاوج. البول هنا ليس فضلات. إنه سيرة ذاتية. إعلان صادق عن اللياقة. نوع من الشفافية الجسدية التي لم نعد نعرفها نحن الذين نلمّع صورنا على الشاشات. الأيّل لا يكذب في بوله. لا يستطيع. كيمياؤه تفضحه أو تمدحه.ثم، وهنا المفارقة التي تكاد تكون فلسفية، ليست الأنثى ضحية لهذا العطر. إنها شريكة في اللعبة، بل حاكمة أحيانا.دراسة نشرت عام 2011 في Behavioral Ecology and Sociobiology، راقبت أيائل دينالي بين 1987 و1990، كشفت أن الإناث تصدر أصواتا احتجاجية أكثر حين يتودّد إليها ذكور صغار، وأن هذه الاحتجاجات تترافق مع عدوانية متزايدة بين الذكور المتنافسين. الأنثى، بصوتها، لا تختار فقط. إنها تشعل الحرب بين الخاطبين. تصفّي. تقصي. تعيد ترتيب هرم القوة في الغابة. إنها ليست متفرجة على عرض القرون والبول. إنها المخرجة.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن، ونحن ننظر إلى هذا المشهد بعين نصف مدهوشة ونصف خجلة: لماذا نجد هذا مقززا؟ لماذا يبدو لنا تمرّغ كائن في بوله فعلا حيوانيا بالمعنى الدوني، بينما نجد أنفسنا نحن، بني البشر، ندفع ثروات مقابل عطور مصنوعة من غدد قطط الزباد أو مسك مستخرج من غدد الأيائل نفسها، ثم نرشّه على أعناقنا ونسمّيه أناقة؟ الأيّل، بصدق فجّ، يقول للعالم: هذا أنا، وهذه رائحتي، وهذه صحّتي. نحن، بترف مخادع، نشتري رائحة ليست منّا، ونقدّمها للآخرين كأنها نحن. من الأصدق في التعبير عن الرغبة؟ من الأكثر أمانة في الإعلان عن الجسد؟
في الموروث العربي، لم يكن الأيّل مجرد حيوان في المعاجم. كان حاضرا في تخيّل اللغويين والأطباء والشعراء، لكنه غالبا اختلط بالوعل والتيس الجبلي في حدائق اللغة. يذكر ابن منظور وغيره أن “الأيّل” قد يطلق على الوعل، أو على ذكر من ذوات القرون المتشعبة، وأن العرب لاحظوا فيه أشياء عجيبة: قيل إنه يأكل الحيات، وإن قرنه إذا أحرق نفع من نزيف الدم، وإن رطوبة تخرج من كرشه إن عقدت صارت “بادزهر حيوانيا”، ترياقا للسموم. وفي تراث أكثر إثارة للدهشة، ربطت بعض الدراسات الحديثة بين لفظ “الأيّل” واسم الإله السامي القديم “إل”، ورأت في القرون المتشعبة واللحية الكثيفة صلة خفية بين الحيوان والرمز الإلهي في النقوش الفينيقية و الأوغاريتية. الحيوان الذي يأكل الأفاعي ويحمل في قرنه دواء السموم، هو نفسه الذي اتخذته الحضارات القديمة صورة للقوة الخالدة. بولُه، في هذا السياق، ليس مجرد سائل. إنّه سائل يحمل في طيّاته شيئا من قداسة غامضة لم نفكّ شفرتها بعد.
أما في الموروث اليوناني، فالأيّل لم يكن غريبا عن مفارقات الرغبة. فقد ارتبطت الغزلان والأيائل بآرتميس، إلهة الصيد والعذرية، وهي التي عاقبت أكتايون حين رآها عارية فحوّلته إلى أيل مزّقته كلابه. الرغبة، في الأسطورة اليونانية، لا تكافأ. بل تُحوّل صاحبها إلى فريسة. والأيّل هنا، مرة أخرى، يقع في منتصف الحكاية: بين شهوة النظر وعقاب التحوّل. بين الجمال الذي يغري والقرون التي تدمي. الآن، لنعد إلى الحفرة. إلى البول. إلى التمرّغ. ماذا يقول لنا هذا المشهد، نحن الذين نصنّف الكائنات وفق مقاييسنا المريحة؟ يقول شيئا بسيطا ومقلقا: إن التواصل بين الكائنات لا يمرّ بالضرورة عبر الكلمات، ولا عبر الصور، ولا عبر الإعجابات. إنه يمرّ عبر الجسد، عبر الرائحة، عبر الصدق الكيميائي. نحن نعيش في عالم تغسل فيه الروائح، وتعطّر فيه الحقيقة، وتجمَّل فيه الرغبة. الأيّل لا يفعل ذلك. الأيّل يبول في حفرته، ويتمرّغ، ويقول للأنثى: “هذا أنا، دون فلتر”. وهي تأتي. لا لأنها ساذجة. بل لأنها تعرف أن الكذب لا رائحة له.
