لماذا غابت المدينتان عن التصريح الحكومي لفاطمة الزهراء المنصوري؟
بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ليست كل الكلمات التي لا تقال اعترافا، وليست كل المساحات البيضاء في الخطابات السياسية فراغا بريئا. أحيانا، تكون الجملة الغائبة أكثر تصريحا من أي تصريح، وتتحول نقطة لم يضعها السياسي على خريطة كلامه إلى سؤال يطرق أبواب الدولة والمجتمع والتاريخ. من هنا يبدأ السؤال المغربي عن سبتة ومليلية: لماذا غابت المدينتان عن التصريح الحكومي لفاطمة الزهراء المنصوري، في لحظة إسبانية وأوروبية شديدة الحساسية، وفيما كانت الذاكرة الوطنية تنتظر إشارة تؤكد أن الجغرافيا لا تسقط من الوجدان بمجرد أن تسقط من الخطاب؟
السؤال مشروع، لكن تحويله إلى حكم نهائي على الموقف المغربي سيكون قفزا من الشك إلى الإدانة، ومن الصمت إلى افتراض التنازل. فالدول بما تدبره خلف الأبواب، وبما تتركه من مسافات بين الموقف المبدئي والتوقيت الدبلوماسي. غير أن هذا التمييز، على ضرورته، لا يمنح السلطة حصانة من المساءلة؛ إذ لا يمكن للصمت أن يظل أبديا تحت اسم الحكمة، ولا أن تتحول البراغماتية إلى كلمة سحرية تعفي القرار السياسي من واجب الشرح.
جاء غياب سبتة ومليلية في سياق بالغ الدلالة. ففي 13 و14 أكتوبر 2026، زار الملك الإسباني فيليبي السادس والملكة ليتيثيا المدينتين، في أول زيارة ملكية إليهما منذ زيارة خوان كارلوس وصوفيا سنة 2007. وفي 17 سبتمبر، كان البرلمان الأوروبي قد اعتمد قرارا يتعلق بأحداث الهجرة في سبتة، وبحماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، والتعاون مع المغرب في تدبير الهجرة. وقد قدم القرار المدينتين من منظور الانتماء الإسباني والأوروبي، بينما يظل وضعهما موضع خلاف تاريخي وسياسي بين الرباط ومدريد. هنا لا يتعلق الأمر بمجرد زيارة ملكية أو وثيقة أوروبية، بل بصراع هادئ على المعنى: من يملك حق تعريف المكان، ومن يستطيع تحويل روايته إلى حقيقة سياسية مستقرة؟
ومع ذلك، تقتضي الدقة ألا ننسب إلى القرار الأوروبي ما لم يرد فيه. فجوهر القرار المعلن يتعلق بالهجرة والأمن الحدودي والتضامن مع سكان المدينتين، ولا يصح اختزاله، من دون تدقيق في نصه الكامل، في كونه أمرا موجها إلى المغرب بالتخلي عن مطالبته التاريخية بهما. لكن رمزيته السياسية لا تخفى؛ فالبرلمان الأوروبي يتحدث عن سبتة ومليلية باعتبارهما جزءا من المجال الأوروبي، في حين يرى المغرب أن ملفهما يرتبط باستكمال وحدته الترابية. وبين الروايتين تتحرك الدبلوماسية، لا باعتبارها مسابقة في رفع الصوت، بل باعتبارها صراعا على المصالح والشرعية والذاكرة.
هنا تبرز أهمية التوقيت. فالمغرب، وهو يدخل مرحلة دقيقة في تدبير ملف الصحراء، يحتاج إلى قراءة كل جبهة خارجية ضمن شبكة أوسع من الأولويات. وإذا كانت نهاية أكتوبر تحمل محطة مرتقبة لمجلس الأمن بشأن الصحراء، فإن السؤال الاستراتيجي يصبح أكثر تعقيدا: هل من الحكمة فتح مواجهة خطابية جديدة مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي في لحظة يسعى فيها المغرب إلى تثبيت مكاسبه الدبلوماسية في ملف يعده قضية وطنية مركزية؟ أم أن ترك ملف سبتة ومليلية خارج التصريح الحكومي قد يخلق انطباعا بأن القضايا الوطنية قابلة للتأجيل كلما ازدحمت أجندة المصالح؟
الاحتمال الأول يستحق التفكير. فقد يكون الصمت اختيارا تكتيكيا لتجنب تشتيت الجهد الدبلوماسي، أو للحفاظ على هامش التفاوض، أو لعدم منح التوتر الرمزي مساحة تطغى على ملفات أكثر إلحاحا. لكن الاحتمال الثاني لا يجوز إقصاؤه لمجرد أنه مزعج: فحين يتكرر الغياب، أو يصبح التفسير الرسمي مترددا، أو لا تقابله خطوات واضحة في السياسة الخارجية، يتحول الصمت من أداة محتملة إلى عبء سياسي. ولا توجد، في المعطيات المتاحة وحدها، أدلة كافية للجزم بأن المنصوري استجابت لضغط أوروبي أو غيرت الموقف المغربي. كما لا توجد أسباب كافية لتحويل كل غياب إلى انتصار خفي للدبلوماسية. ما نملكه هو سؤال، وما نحتاج إليه هو قرائن.
والأعمق من ذلك أن المسألة لا تتعلق باسم رئيسة الحكومة ولا بجنسها ولا بكونها جديدة في المنصب؛ إنها تتعلق بطبيعة التصريح الحكومي نفسه. هل هو وثيقة لتحديد الأولويات العملية والاجتماعية والاقتصادية، أم مناسبة لتجديد الثوابت السيادية أيضا؟ وهل يكفي أن تظل القضايا الترابية محفوظة في المرجعيات الرسمية، أم أن لحظات التوتر تفرض إعادة إعلانها حتى لا يستأثر الطرف الآخر بتعريف المشهد؟ لا توجد إجابة واحدة صالحة لكل ظرف، لكن هناك قاعدة لا ينبغي أن تغيب: للدولة أن تختار توقيت كلامها، وليس لها أن تجعل غموضها بديلا دائما عن التواصل مع مواطنيها.
في المقابل، لا ينبغي الاستهانة بصوت المجتمع المدني. فالبيان الذي أصدرته هيئات حقوقية ومدنية وشخصيات مغربية، عقب الزيارة الملكية، يعكس أن القضية لا تعيش في دفاتر الدبلوماسيين وحدهم، بل في الذاكرة العامة أيضا. غير أن قيمة هذا الصوت لا تكمن في أنه يرفع سقف التعبير الوطني فحسب، بل في قدرته على تحويل الانفعال إلى اقتراح، والاحتجاج إلى معرفة، والذاكرة إلى تصور سلمي قابل للنقاش والعمل. فالقضايا التاريخية لا تُحسم بمجرد حرارة العبارات، كما أن التمسك بالحقوق لا يكتسب قوة إضافية من التخوين أو المزايدة على من يختلف في تقدير الوسائل.
وما يثير القلق حقا ليس أن يصمت تصريح واحد عن مدينتين، بل أن يتسع الفاصل بين الخطاب الرسمي وانتظارات المجتمع، من دون تفسير يملأ المسافة بينهما. فالوطنية ليست امتحانا في عدد المرات التي تذكر فيها الأسماء، لكنها أيضا ليست تفويضا مفتوحا للسلطة كي تتحدث باسم الحكمة كلما طال الصمت. الوطنية الناضجة هي القدرة على الجمع بين وضوح المبدأ ومرونة الوسيلة، بين التمسك بالحقوق وفهم موازين القوى، وبين الثقة بالدولة وحق المواطنين في مساءلتها. ولعل السؤال الذي ينبغي أن يطارد النخبة المغربية ليس: لماذا لم تذكر المنصوري سبتة ومليلية؟ بل: ما الذي يجعل غيابهما من خطاب حكومي كافيا لإثارة كل هذا القلق؟ أهو أثر الذاكرة التاريخية التي تخشى أن تتحول الملفات المؤجلة إلى ملفات منسية؟ أم أن التواصل السياسي لم يعد قادرا على إقناع الناس بأن الصمت قد يكون تدبيرا لا تراجعا؟ أم أن النخب الحزبية نفسها فقدت القدرة على إنتاج خطاب وطني واضح، متماسك، لا يكتفي برد الفعل ولا يستسلم لمنطق الشعارات؟
إن المغرب ليس مضطرا إلى فتح كل الملفات في كل مناسبة، لكنه مطالب بألا يتركها رهينة التأويل. وليس مطالبا بأن يحول كل خلاف إلى أزمة، لكنه مطالب بأن يوضح لمواطنيه الفرق بين التهدئة والتنازل، وبين ترتيب الأولويات والتخلي عن الأولويات. أما سبتة ومليلية، فهما أكثر من اسمين غابا عن خطاب؛ إنهما اختبار لقدرة السياسة على حماية الذاكرة من دون أن تقع في أسرها، وقدرة الدبلوماسية على إدارة الحاضر من دون أن تمحو أسئلة التاريخ. في السياسة، قد يكون الصمت حنكة، وقد يكون ترددا، وقد يكون مجرد تفصيل في خطاب مزدحم. ولا نعرف أي هذه المعاني ينطبق هنا على وجه اليقين.
لكننا نعرف أن الحكمة لا تثبت بمجرد افتراضها، بل بنتائجها، وأن السيادة لا يحميها الصراخ وحده ولا الصمت وحده، وإنما تحميها رؤية واضحة، ومؤسسات متماسكة، ودبلوماسية تعرف متى تتكلم، ولماذا تصمت، وكيف تشرح للناس ما لا تقوله. بين الرباط ومدريد، وبين التاريخ والجغرافيا، لا تزال هناك أسئلة أكبر من جملة غائبة. والأجدر بالمغرب أن يواجهها بعقل بارد وذاكرة يقظة، لا باندفاع يبدد أوراقه، ولا بتطمين يطلب من المواطن أن يثق من دون أن يفهم. فالأوطان لا تخسر حقوقها في كل مرة تصمت فيها، لكنها قد تخسر شيئا من ثقة أبنائها إذا لم تشرح لهم معنى ذلك الصمت.
