امرأة تضع رأسها في فم اللغة

بقلم زكية لعروسي-باريس

في الليلة التي مات فيها القاموس
خرجت الكلمات إلى الشوارع عارية من معانيها
كانت كلمة «وطن» تجر وراءها حقيبة من المناديل
 وكانت كلمة «أمّ» تفتش في جيوب المارة عن طفل نسيته في يم قديم
أما كلمة «أنا»، فقد جلست على الرصيف تبيع وجوهها المستعملة

اشتريت منها وجها يشبه امرأة من رخام
وعلقته على نافذة غرفتي كي يظن العابرون أنني ما زلت هنا
لكنني كنت في مكان آخر، في الجزيرة التي لم يرسمها هوميروس
حيث لا يولد البحر من الماء، بل من دمعة تسقط في عين غيم نائم

هناك، رأيت أوديسيوس ينسج شراعا من الندم
ويربط الصواري بأسماء النساء اللواتي تركهن على الشواطئ
لم يكن يعرف أنني أراقبه
كنت أجلس تحت شجرة ثمارها ساعات صغيرة
أقطف واحدة فتعود إلي طفولتي
وأقطف أخرى فيتقدم سني خطوة ويجلس على ركبتي

قلت للزمن: أينا الأكبر الآن؟
فأجابني بصوت فتاة ميتة:
الأكبر من اضطر إلى تذكر نفسه كي لا يمحوه الآخرون
ضحكت…
ومن ضحكتي خرجت سمكة لها جناحا فراشة
طارت فوق الجزيرة وألقت في البحر بيضة من رخام

بعد تسعة قرون، سيخرج من تلك البيضة طفل
يتكلم بلغة لم يخترعها البشر
وسيقول للعالم: كانت هناك امرأة
 تكتب كي لا تصبح حقيقة ما أراد الآخرون لها أن تكون
لكن أحدا لن يفهمه
فالأرض ستكون قد نسيت أسماءها

 والسماء ستتقاعد في قرية بعيدة
والبحر سيغلق فمه للمرة الأولى
أما أنا…فسأكون قد وضعت رأسي في فم اللغة
 وتركتها تلتهمني ببطء
لا خوفا من الموت
بل كي أمنح الكلمات جسدا تستطيع أن تموت فيه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *