بقلم زكية لعروسي
كانت الحدود خطوطا على الخرائط، حبرا يفصل بين زرقة وأخرى. ثم جاء دونالد ترامب، فحوّلها إلى شاشة عملاقة، تطلب منك أن تخلع ظلك قبل أن تعبر. لم يعد السؤال: من أنت؟ بل صار: ماذا كتبت؟ من تابعت؟ من ضحكت له؟ ومن ضحك عليك؟ قرار تشديد شروط الـ«إيستا» ليس مجرد إجراء إداري عابر، بل إعلان فلسفي: العالم ليس قرية كونية، بل غرفة انتظار أمام مكتب ضخم، يجلس فيه موظف يفتش الذاكرة الرقمية كما لو كانت حقيبة يد مشبوهة.
أن تطلب دولة من المسافرين خمس سنوات من تاريخهم على وسائل التواصل الاجتماعي، وعشر سنوات من عناوين بريدهم وأرقام هواتفهم، فذلك أشبه بأن تقول لهم: “أعطونا مرآة أرواحكم، نريد أن نرى كيف تومض أفكاركم في العتمة.” إنه انتقال من مراقبة الجسد إلى تمشيط الخاطر. من ختم الجواز إلى ختم النوايا. الحدود لم تعد سياجًا من أسلاك شائكة، بل خوارزمية تقرأ المزاج السياسي، وتفرز النكات، وتزن الإعجابات كما توزن الحقائب في المطارات.
في زمن ترامب، تبدو أمريكا وكأنها حصن أسطوري، يرفع جسوره المتحركة كلما مرّ غريب. لا يكفي أن تكون سائحا؛ عليك أن تكون نصا صالحا للقراءة، خاليا من التعليقات الساخرة، خاليا من الشك، خاليا من ضحكة قد تُفهم على غير وجهها. السيادة حقّ للدول، والأمن هاجس مشروع. لكن حين يتحول الأمن إلى شبكة صيد عملاقة، تُلقى في بحر العالم لالتقاط النوايا قبل الأفعال، فإننا أمام تصور كوني يعتبر أن الخطر يبدأ من فكرة، من «لايك» عابر، من تغريدة كُتبت في لحظة ملل.
فهل يا ترى يريد ترامب قلب الموازين؟ ربما… فالرجل الذي بنى سرده السياسي على شعار “أمريكا أولا” لا يرى العالم ساحة تبادل، بل حلبة تنافس. في هذا التصور، كل وافد محتمل هو معادلة يجب حلها: هل ينسجم مع النغمة؟ هل يصفق في الوقت المناسب؟ هل يضحك حين يُطلب منه الضحك؟ إنها سياسة خارجية بنكهة مسرحية: خطاب عال، إيماءات كبيرة، وقرارات تلامس حدود الاستفزاز الرمزي. الرسالة غير المعلنة قد تكون: من أراد أمريكا، فليقبل شروطها كاملة، ظاهرا وباطنا. غير أن العالم، مهما بدا صغيرا على شاشات الهواتف، لا يُقبض عليه بكفّين. الاقتصاد شبكة متداخلة، والسياحة جسر من عملة وثقافة، والطلاب والعائلات والشركات نسيج يصعب فصله دون أن يتمزق جزء من الثوب.
حين تشير الدراسات إلى احتمال تراجع ملايين الزوار، فذلك ليس رقما باردا؛ إنه مؤشر إلى أن السياسة حين تشتد قبضتها، قد تفلت من بين أصابعها فرص ناعمة: صورة البلد، جاذبيته، سمعته كأرض مفتوحة. أمريكا التي تغنّت طويل بكونها “أرض الفرص” تجد نفسها اليوم متهمة بأنها أرض الاستجواب الرقمي. المفارقة هنا صارخة: الدولة التي خرجت من رحم وادي السيليكون، وصنعت عمالقة المنصات الاجتماعية، تعود لتعامل هذه المنصات كدفاتر تحقيق. المشهد يكاد يكون كاريكاتوريا…تخيل, قارئي, سائحا فرنسيا أو ألمانيا يقف أمام شاشة، يراجع في ذاكرته: هل أعجبتُ يوما بصورة ساخرة؟ هل تابعت حسابا معارضا؟ هل كتبتُ تعليقا عابرا قد يُقرأ كتمرد؟
إنها لحظة عبثية: المواطن العالمي، الذي تعوّد أن ينشر حياته على الملأ، يُفاجأ بأن هذا الانفتاح ذاته قد يصبح شرط عبوره أو سبب منعه. هل هي إذن استراتيجية أم استعراض؟
ترامب سياسي يعرف قوة الإشارة. قراراته ليست مجرد نصوص قانونية، بل رسائل انتخابية، إشارات إلى قاعدته بأن القبضة مشدودة، وأن “الأبواب ليست مشرعة لكل من هبّ ودبّ”. قد يكون الهدف أمنيا، وقد يكون رمزيا، وقد يكون مزيجا من الاثنين. لكن الأكيد أن السياسة الخارجية في هذا السياق تتحول إلى مسرحية سيادية: الدولة العملاقة ترفع إصبعها وتقول للعالم: نحن نضع الشروط. غير أن السؤال الأعمق يبقى: هل يمكن لدولة أن تحمي نفسها عبر تضييق الدوائر دون أن تضيق صورتها؟ وهل يتحقق الأمن والأمان بتوسيع دائرة الشك، أم ببناء الثقة؟
لا يبدو أن العالم بين كفّي المفتش ترامب، كما لا يبدو أن أمريكا قادرة على الانفصال عن العالم. ما يحدث هو شدّ وجذب بين نزعة انكفاء وسياسة عولمة لا تزال تتنفس رغم كل شيء. القرار، إن أُقرّ، سيكون علامة فارقة: لحظة تُختبر فيها العلاقة بين الحرية الرقمية والسيادة الوطنية. وستظل الصورة الغريبة عالقة في الأذهان:
أمريكا، تمثال الحرية يرفع مشعلًا في يد، وفي اليد الأخرى جهاز تفتيش رقمي، يفتش العابرين عن ظلّ فكرة. وهنا، ربما، تكمن المفارقة الأشد سخرية: أن بلاد الحلم، كي تحرس حلمها، تطلب من الآخرين أن يسلموا أحلامهم أولا.

Article intéressant mais sortant de son contexte.LesUSA sont confrontés à une véritable crise de sa politique migratoire.Sa sécurité est compromise avec l’afflux des migrants adjacent à ses frontières et subit la délinquance,les crimes horribles liés à la drogue, la prostitution,les cambriolages. Cette mesure qui semble discriminatoire ne résoudra en rien l’effet pervers de la liberté de circulation, c’est une mesure préventive et alarmiste destiné aux gens de mauvaises intentions.