بقلم زكية لعروسي, باريس
ليس الديك مجرّد طائر يوقظ النيام، بل كائن يقف على تخوم الرمز، حيث تتعانق الأسطورة مع التأويل، ويصبح الصوت علامة على ما لا يُرى. صياحه ليس حدثًا سمعيًا عابرًا، بل كتابةٌ صوتية على جسد الفجر، كأنّه يوقّع ميلاد الضوء بحنجرته. في المخيال العربي، لم يكن “العلعول” – كما تناديه ذاكرة الأمهات بوجدة – طائرا بريئا من المعنى. بل كان، في أصداء التراث، عينا ترى ما وراء الحجب. في الحديث النبوي: “إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، فإنها رأت ملكا”. هكذا تحوّل صوته إلى إشارة ميتافيزيقية، إلى ارتجاف خفيف في نسيج الغيب. الفجر، إذا، ليس مجرد توقيت، بل لحظة عبور، والديك حارس هذه العتبة.
أما عند الصوفية، فقد ارتقى الديك من طائر إلى رمز يقظ، كأنه درويش بريش أحمر. رأى فيه بعضهم – كالإمام الغزالي – مثالا للعبد الذي لا يغفل عن ميعاده مع النور. فهو لا ينتظر الشمس، بل يسبقها، كالعاشق الذي يستيقظ قبل موعد اللقاء. وفي إشاراتهم، صار صياحه “تنبيها للغافلين”، وصوتا يوقظ القلب لا الجسد فقط. قالوا: “لو كان فيك سرٌ حيّ، لأيقظك صياح الديك كما توقظك المحبة”. كأن الديك، في هذا المقام، شيخ طريقة لا يرى، يلقّن درس اليقظة بلا كلام. وفي بعض المتون الصوفية، يشبَّه الديك بالنفس اللوّامة حين تصحو، أو بالروح حين تتذكّر أصلها النوراني. صياحه ليس صخبا، بل “ذكر خشن”، ذكر لا يتغنّى بل يوقظ، لا يطرب بل يخلخل.

أما في التراث اليوناني، فقد كان للديك شأن آخر، لا يقل عمقا. ارتبط بـ”أبولو”، إله الشمس والعقل، باعتباره الكائن الذي يستدعي الضوء من عتمته. وكان ينظر إليه كرمز للانتصار على الليل، بل إن بعض الأساطير رأت في صياحه إعلانا عن هزيمة الظلال. وفي قصة “ألكتريون” – الحارس الذي غفا أثناء حراسة الإله “آريس” – حوِّل إلى ديك ليبقى مستيقظا إلى الأبد، يصيح كل فجر تكفيرا عن غفلته. هكذا صار الديك، في المخيال اليوناني، تجسيدا لليقظة القسرية، لذاكرة لا يُسمح لها أن تنام.
وبين العرب واليونان، يتقاطع المعنى: الديك كائن لا يُسامح النوم، ولا يثق بالليل. الجاحظ، ذلك العقل الذي كان يزن الحيوان بميزان الإنسان، لم يغفل عن هذا الطائر. في “كتاب الحيوان”، تتسلل إشاراته إلى الديك ككائن ىمنضبط، لا يخطئ مواعيده، ولا يساوم على صوته. ولو شئنا أن نقرأه بعين حديثة، لقلنا إن الجاحظ رأى فيه نموذجا للوظيفة التي لا تنتظر الاعتراف. يصيح، ولا يسأل: هل سمعني أحد؟ أما في “كليلة ودمنة”، حيث الحيوان مرآة أخلاقية، فالديك – وإن لم يكن بطلا صريحا – يلوح كرمز للحكمة البسيطة: أن تعرف متى تتكلم، ومتى توقظ، ومتى تصمت. فهو لا يصيح عبثا، بل عند العتبات: عتبة الفجر، عتبة التحول، عتبة الإمكان.
لكن السؤال يظل معلقا كصوته في الهواء: لماذا الفجر تحديدا؟ العلم يجيب: إنها الساعة البيولوجية، إيقاع داخلي يسبق الضوء. أما التراث، فيبتسم ولا يجيب مباشرة. لأن الفجر، في كل هذه السرديات، ليس زمنا فقط، بل حالة. هو انكشاف، لحظة ترفع فيها الستائر عن مسرح الوجود. والديك، في هذا المشهد، ليس ممثلا… بل منبّه كوني.
اليوم، في عصر الهواتف الذكية، تراجع الديك إلى هامش الذاكرة. حلّت محلّه نغمات رقمية، يمكن إسكاتها، تأجيلها، تجاهلها. لكن شيئا ما فقد. صوت الهاتف يوقظ الجسد، أما صياح الديك، فكان يوقظ المعنى. كان امتدادا خشنا للأذان، لا في نغمته، بل في وظيفته: أن يقول لك – دون بلاغة – إن هناك شيئًا يبدأ الآن، وأنك، إن لم تنتبه، سيفوتك. ربما لهذا ظلّ الديك، رغم بساطته، أكبر من طائر. ظلّ ذاكرة تمشي على قدمين، وصوتا يرفض أن يتحوّل إلى عادة. وفي زمن ينام فيه الإنسان أكثر مما ينبغي، يبدو الديك – بكل أساطيره وصوفيته – كأنه آخر من بقي مستيقظا… ليوقظنا.
