خطاب التسامح… واجب وجودي لا خيار فيه

El Bachir Haymari

حين يختار المسلم الغرب مقاما له، فهو لا ينتقل فقط بين الجغرافيا، بل يعبر نحو تحد وجودي جديد: كيف يحافظ على جوهر إيمانه، وفي الوقت نفسه يكون جسراً للتواصل لا جدار عزلة؟
لقد أصبح الغرب، بالنسبة للكثيرين، ملاذاً آمناً بعد أن ضاقت بهم دروب أوطانهم، لكن هذا الملاذ يفرض علينا مسؤولية كبرى: أن نرد الجميل لأرض احتضنتنا، بأن نكون خير سفراء لديننا.

تجديد الخطاب الديني هنا ضرورة ملحّة لحماية صورة الإسلام في محيط لا يزال ينظر إلينا بعين التساؤل أحياناً والريبة أحياناً أخرى. إن تجديد الخطاب يعني أن ننتقل من خطاب “الدفاع عن الذات” إلى خطاب “تقديم القيمة”. فبدلا من أن نبقى في موقع رد الفعل، علينا أن نأخذ زمام المبادرة لنبرز القيم الإسلامية العليا التي تلتقي مع قيم المجتمعات الغربية:

– العدل
– الرحمة
– الإتقان
– حسن الجوار
– حفظ الأمانة

إن أعظم خطاب ديني يمكن أن نقدمه للمجتمع الدنماركي أو الأوروبي هو سلوكنا اليومي. فالناس لا تقرأ الكتب بقدر ما تقرأ الأفعال. حين نكون نموذجاً للمسلم المتسامح، المحسن لجاره، الصادق في عمله، المنضبط في حقوق المجتمع، فإننا نقدم صورة للإسلام أبلغ من آلاف المحاضرات. قال النبي (ص): “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وهذا يشمل “الآخر” في وطنه الإنساني، بغض النظر عن دينه. إن التعمق في سيرة النبي (ص)، خاصة في وثيقة المدينة وفي تعامله اليومي مع جيرانه من اليهود والنصارى، يكشف لنا أن التعايش لم يكن مجرد سياسة، بل كان خُلقا نبويا أصيلا. لقد كان النبي يعود جيرانه المرضى من غير المسلمين، يقبل هداياهم، ويكفل لهم حرية العقيدة. هذه هي الصورة المثلى التي يجب أن نستحضرها، لا صورة الخطاب المتشنج الذي لا يمت لتلك السمو بصلة.

إن ظاهرة التطرف والتشدد الديني هي التي تسيء للإسلام في الغرب أكثر من أي شيء آخر. هذه التيارات المتطرفة، التي تحمل فكرا لا يعرف إلا لغة القطيعة، هي التي تزرع الانقسام في مجتمعاتنا. وأقول “مجتمعاتنا” لأننا, شئنا أم أبينا, جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي في الدنمارك وأوروبا. مستقبلنا ومستقبل أبنائنا مرهون بمدى قدرتنا على نزع فتيل الكراهية وزرع ثقافة المواطنة التي تقوم على الحقوق والواجبات المشتركة.

إن ذكرى الكنائس الإسبانية التي فتحت أبوابها للمسلمين دفئاً من برد الشتاء هي نموذج حي على أن التسامح ليس حكراً على أحد. إنها رسالة بأن العلاقة بين الأديان يمكن أن تكون تعاوناً إنسانيا قبل أن تكون جدلا عقائديا.
نحن اليوم أمام مسؤولية تاريخية: إما أن نكون جزءاً من بناء مجتمع متماسك قائم على الاحترام المتبادل, أو نكون أداة هدم باسم دين لا يعرف إلا البناء.

إن محاربة خطاب التطرف ليست مهمة أجهزة الأمن وحدها، بل هي واجب كل مسلم يرى في تعايشه السلمي عبادة، وفي خلقه الحسن صدقة جارية. علينا أن نتجاوز مرحلة “نحن وهم” إلى مرحلة “نحن معا”. فكما قبلنا العيش في هذا البلد، وأعطانا فرصة العمل والتعليم والعيش الكريم، علينا أن نعطيه أفضل ما فينا: صورة الإسلام النقي، دين الرحمة للعالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *