ليس كل ما يقدم بوصفه تيسيرا يحمل في جوفه الرحمة، ولا كل ما يصاغ في لغة التنظيم يخلو من عنف خفي. فبعض النصوص، حين تتقدم إلينا في هيئة أجوبة جاهزة، تكون في حقيقتها أسئلة مؤجلة. وأسئلة الدين إذا أجلت تحولت إلى قلق صامت يسكن الأفراد ويعيد تشكيل علاقتهم بذواتهم وبمعناهم الوجودي. كتاب “مسلمو الغرب”، كما قدم في باريس، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد دليل عملي للممارسة الدينية، بل بوصفه اقتراحا كاملا لتموضع الإسلام في الفضاء الفرنسي، اقتراحا يحمل في عمقه تصورا للإنسان وللدين وللعلاقة بين المعنى والسلطة.
ينطلق هذا العمل من الواقع باعتباره أصلا، ومن القانون باعتباره أفقا نهائيا، ثم يطلب من الدين أن يعيد ترتيب نفسه داخله. وهذا الترتيب في ظاهره عقلاني، لكنه في جوهره يقلب منطق الوجود الذي قام عليه الفكر الإسلامي في لحظاته الكبرى. فالدين في التصوف لم يكن يوما استجابة للواقع، بل كان كشفا للمعنى الذي يتجلى في الواقع. عند ابن عربي لا يسكن الحق في القوالب، بل القوالب تتشكل بحسب استعدادات القلوب. وحين يطلب من الإسلام أن يتكيف، لا أن يتجلى، يصبح المعنى تابعا للصورة، ويصير الدين وظيفة بدل أن يكون أفقا.
الضرورة التي يستند إليها الدليل هي في أصلها جسر يعبر به الإنسان حين تضيق به السبل، لكنها هنا تتحول إلى أرض إقامة دائمة. والإقامة في الجسر ضرب من التيه. الفقهاء حين تحدثوا عن الضرورة لم يقصدوها نظاما للحياة، بل رخصة تحفظ النفس حتى تعود إلى سعتها. وقد حذر الشاطبي من تحويل الاستثناء إلى أصل، لأن ذلك يفضي إلى تآكل المقاصد.
إن الإشكال الأكبر في هذا الدليل ليس في فتاواه الجزئية، بل في منطقه الكلي الذي يميل إلى التوحيد المعياري للأجوبة. وهذا المنطق يناقض تاريخ الإسلام الذي لم يعرف مركزا يحتكر التأويل. الدين في جوهره تجربة، والتجربة لا تدار من الأعلى. وحين يتحول الإمام من شاهد معنى إلى ناقل تعليمات، ومن فقيه يتحرك في فضاء السؤال إلى موظف يتقيد بدليل، فإن التحول يصبح بنيويا لا شخصيا.
باريس ليست مجرد فضاء قانوني، بل مدينة تعيش على التعدد والتناقض وإمكان العيش في المسافة بين الأشياء. المسلم فيها ليس مشكلة فقهية، بل كائن وجودي مركب يحمل ذاكرة ولغة وجراحا وأملا وانتماء مزدوجا. إختزال هذا الكائن في دليل ممارسة يشبه محاولة اختزال البحر في جدول المد والجزر. والدين حين يظن أنه اكتمل في دليل، يفقد قدرته على مرافقة الإنسان في قلقه.
قد ينجح هذا الكتاب في تهدئة مخاوف الدولة، وفي تقديم صورة منظمة عن الإسلام، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم: كيف نحفظ روح الدين دون أن نحوله إلى ملف؟ لتنظيم قد ينتج طاعة، لكنه لا ينتج معنى. والإسلام إذا فقد معناه الروحي، لن تحميه كل الأدلة.
