بقلم زكية لعروسي
في السياسة, هناك كلمات تقال لا تقاس بوزنها الصوتي، بل بقدرتها على إعادة تشكيل الهواء نفسه. كلمات تقال, فتمر كغبار عابر, وأخرى تُقال قد تتحول إلى مناخ كامل. بين مناخين يقف مشهدنا السياسي: لسان يهوى الصدمة، وصمت يتقن البلاغة؛ عاصفة تستثمر في الاستفزاز، ورخام يراهن على الزمن.
حين يتحدث ترامب، لا يبدو كمن يخاطب جمهورا بقدر ما يستدعي ساحة. لغته ليست مجرد وسيلة تواصل، بل أداة صراع. إنها لغة تحب الضجيج، تتغذى على الاستقطاب، وتستثمر في تحويل السياسة إلى مسرح دائم. في هذا المسرح، لا يقاس الخطاب بعمقه، بل بقدرته على الهيمنة على دورة الأخبار، على اقتطاع لحظة الغضب وتضخيمها حتى تصبح هي الموضوع.
في المقابل، يقف أوباما بوصفه نقيضا أسلوبيا أكثر منه خصما سياسيا. رجل صعد إلى أعلى منصب في دولة بني تاريخها على مفارقة الحرية والعبودية، فحمل في سيرته كل تناقضات القارة الجديدة. وجوده في ذاته كان سردية مضادة: ابن أب إفريقي وأم أميركية بيضاء، يقف على منصة كانت حتى وقت قريب محرّمة على أمثاله. لكن الحكاية لا تبدأ هنا. إنها أقدم بكثير.
في الحضارات القديمة، وجدت دائما آلية لتصنيف البشر: “نحن” و”هم”. في روما، كان “البرابرة” خارج اللغة اللاتينية، وفي بعض سرديات القرون الوسطى تحوّل الاختلاف الديني إلى نقيصة وجودية. وفي القرون الحديثة، أعيدت صياغة هذا التصنيف بلباس علمي زائف: نظريات عرقية، قياسات جماجم، وسلالات متخيلة. تلك هي الخزائن التي تفتح كلما ضاقت السياسة. كلما عجز الخطاب عن تقديم مشروع، يستدعي المخزون الأقدم: التخويف من الآخر، تحويله إلى صورة كاريكاتورية، تجريده من التعقيد الإنساني. ليس الهدف إقناع الخصم، بل تعبئة الأنصار عبر غريزة بدائية: الخوف. الصور النمطية التي طاردت السود في التاريخ الأميركي لم تكن مجرد نكات بذيئة؛ كانت أدوات لإعادة إنتاج تراتبية اجتماعية. وعندما يعاد تدويرها في الفضاء الرقمي، فإنها لا تظهر كفلتة معزولة، بل كاستدعاء لذاكرة جماعية لم تُشف بالكامل.
ترامب لا يخاطب “الوسط”. إنه يخاطب العاطفة الخام. لغته تقوم على ثلاث ركائز:
– التبسيط المفرط: اختزال القضايا المعقدة في شعارات قصيرة.
– التكرار: تحويل الفكرة إلى لازمة يومية.
– الاستفزاز: خلق صدمة تجبر الجميع على التفاعل، سواء بالإعجاب أو الغضب.
في هذا النموذج، يصبح الجدل وقودا. كل انتقاد هو دليل حضور. وكل أزمة، فرصة لإعادة توجيه النقاش. إنها سياسة تدرك أن زمن الشبكات الاجتماعية يكافئ الأكثر إثارة لا الأكثر اتزانا. غير أن الخطورة لا تكمن في النبرة وحدها، بل في ما تُشرعنه. حين يتراجع معيار اللياقة العامة، تفتح الأبواب أمام خطاب كان يهمس به في الهوامش. تتحول السخرية إلى أداة إقصاء، ويتحول التلميح إلى رسالة واضحة لمن يريد أن يسمعها.
على الضفة الأخرى، اعتمد أوباما بلاغة مختلفة: بلاغة تستدعي القيم المشتركة، تستثمر في فكرة “القوس الأخلاقي” الذي ينحني ببطء نحو العدالة. خطابه لم يكن خاليا من البراغماتية، لكنه حاول أن يضع السياسة داخل إطار أخلاقي أوسع.
وجوده في البيت الأبيض لم يُنه العنصرية، لكنه كشفها. فجأة، لم تعد مسألة نظرية؛ صار هناك رئيس أسود يقاس نجاحه بمعايير مضاعفة، ويحاصر بإرث لم يصنعه.
المأزق ليس في شخصين، بل في زمن: نحن أمام عصر تتفوق فيه و تتنافس الخوارزميات على شدّ الانتباه، وحيث تتحول السياسة إلى عرض دائم. السؤال الفلسفي هنا: هل الخطاب العنصري هو سبب الانقسام، أم نتيجته؟ ربما هو الاثنان معا.. إنه انعكاس لقلق حضاري أعمق: خوف من تحولات ديموغرافية، من فقدان امتيازات، من عالم يتغير أسرع مما يحتمل البعض.
تخيل قارئي الكريم قاعة قديمة، جدرانها مغطاة بخرائط باهتة. في إحدى الزوايا صندوق خشبي عليه نقش: “ذاكرة الإمبراطوريات”. يفتحه سياسي معاصر، فيجد بداخله أدوات صدئة: قناعا يسخر من المختلف، مرآة تعكس الخوف، ودفتر تعليمات بعنوان: “كيف تصنع عدوا”. فيبتسم…ليس لأنه يجهل ثقل التاريخ، بل لأنه يعرف أن الجمهور قد لا يفتحه.
السياسة، في جوهرها، امتحان للغة. إما أن تكون اللغة جسرا، أو تكون خندقا. إما أن تستدعي أفضل ما في التاريخ، أو أسوأ ما فيه. بين لسان يراهن على الإثارة، وصوت يراهن على الاتزان، يبقى الرهان الأكبر على المجتمع نفسه: هل يكتفي بمشاهدة العرض، أم يطالب بمسرح أرقى؟ ذلك هو السؤال الذي يتجاوز الأشخاص، ويمسّ جوهر الحضارة.
