برج إيفل: ترنيمة الحديد والضوء


بقلم د. زكية لعروسي

لم تبن باريس برج إيفل، بل كتبت به جملة في دفتر الغيب، ثم رفعت الجملة حتى صارت عمودا. هو ليس بناء، بل فعل قيام ضدّ الاستواء. ليس حديدا، بل فكرة تخلّت عن سريرها الأفقيّ لتنام واقفة. هناك مدن تتزيّن، وهناك مدن تتأمّل. باريس، في تلك اللحظة النادرة، لم تختر زينة بل اختارت سؤال وضعت علامة استفهام في قلب السماء، وقالت للأفق: لن أظلّ أتبعك… سأخترقك. البرج ليس جسدا من معدن، بل عصب مكشوف في جسد المدينة. شبكته ليست فراغا، بل هندسة العدم حين يتعلّم الانضباط. الهواء فيه ليس غيابا، بل شريكا في المعنى. حتى الريح، حين تمرّ خلاله، لا تعبر… بل تُؤوَل. كان مرفوضا لأنه سبق لغته، ولأن كل فكرة تأتي عارية تُتَهم بالوقاحة. لكنّ الزمن، ذلك الناقد البطيء، انحنى أخيرا أمامه، وصار الاعتراض حاشية في كتاب مجده.

في الليل، لا يضيء البرج، بل يستيقظ. تومض أنواره كخلايا وعي تعيد ترتيب نفسها، كأن باريس تفكّر بصوت مرئيّ، وتقول للعالم: ما زلت أعرف كيف أحوّل الصناعة إلى نشيد، وكيف أجعل الحديد يصلي. من يصعده لا يقترب من السماء، بل يبتعد قليلا عن ضجيج الأرض. هناك، في العلوّ، تتضاءل المدينة حتى تصير فكرة، ويتضاءل الإنسان حتى يصير صدقا. برج إيفل ليس رمزا لباريس، بل امتحانا لها: هل تجرؤ مدينة على أن تجعل قلبها مكشوفا إلى هذا الحدّ؟ هل تقبل أن يرى العالم عصبها، لاجلدها؟ باريس قبلت. ولهذا بقي البرج.

برج إيفل ليس أصبعا يشير إلى السماء، بل وترا مشدودا بين التراب واللانهاية. إنه موسيقى متجمّدة، صوت تحوّل إلى شكل، وحلمٌ تعلّم الحساب دون أن يفقد رعشة. حين ارتفع، لم يكن يتحدّى السماء، بل كان يفاوضها كفيلسوف يعرف قيمة الصمت. قال لها: أعيريني ارتفاعك، وأمنحك دهشتي. فصارت السماء أقلّ وحدة، وصار الحديد أقلّ قسوة. كل مسمار فيه شاهد قسم، كل زاوية حادّة صلح بين العقل والرؤيا، وكلّ عارضة أفق صغير يتدرّب على الطيران. البرج لا يسكن المكان، بل الزمن. كل عصر يعثر فيه على مرآته: رآه المهندسون انتصارًا للمعادلة، رآه الشعراء سلّما للحنين، ورآه الفلاسفة احتجاجا صامتا على ثقل الواقع.

أما باريس، فترى فيه نبضها حين يضيق صدر الشوارع. تراه شهيقها المعدنيّ، تراه الدليل على أن المدينة تستطيع أن تكون فكرة لا مبنى، وقصيدة لا شارعا. في الليل، حين يتناثر ضوؤه كنجوم مدرّبة، لا يبدو مضاء، بل واعيا. كأنّه عقل معلّق في الهواء، يفكّر بدلا عن الجميع. سرّه الأعظم أنه لا يمنح العلوّ، بل يمنح المسافة. المسافة بين الإنسان وصخبه، بين الرغبة وحدودها، بين ما نظنّه عظمة وما هو في الحقيقة تواضع مضيء. ومن يقف تحته طويلا، لا يرى حديدا ولا معلَمة، بل يرى لحظة نادرة قرّرت فيها مدينة أن تحبّ نفسها علنا، أن تخلع أقنعتها الكلاسيكية، وأن تقول: الجمال ليس تكرارا، بل مجازفة. هكذا بقي البرج، لا لأنّه الأعلى، بل لأنّه الأصدق. ولأنّ مدينة ما، ذات مساء بعيد، اختارت أن تفكّر واقفة… فارتفع معها العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *