العودة إلى البلاد.. حلم يتحول إلى كابوس

بقلم رضوان البلدي, صحفي مغربي

يسيء عدم تنفيذ الأحكام القضائية الحائزة على قوة الأمر المقضي به، بشكل كبير إلى سمعة القضاء، على اعتبار أنه المرفق الوحيد الذي يضمن الاستمرارية، حتى وإن تعطلت كل المرافق الأخرى. ومن هذا المنطلق، لا معنى أن تشتغل آلة القضاء الضخمة بكل تلك الموارد المالية، البشرية و اللوجيستيكية لتنتج منتجا فيه الكثير من الاجتهاد وذا جودة عالية، وفى آخر المطاف، يوضع في الرفوف، بمبرر صعوبة التنفيذ، وفي أحايين كثيرة بدون أي مبرر، فتضيع الحقوق والمصالح، بشكل فظيع. مثال حي على ذلك، تابعت تفاصيله من البداية حتى النهاية، يتعلق الأمر بمهاجر مغربي أراد أن يعود إلى بلده الأم بشكل نهائي ليستثمر فيها، حاملا معه كل ما راكمه من مال طوال سنوات كده بفرنسا، لكن وهو يقوم بتلك الخطوة، لم يكن يدري أن ذلك بداية معاناة لم تنته إلى حد الساعة. 

تعرض الرجل السبعيني إلى عملية تزوير خطيرة طالت رخصة بناء صادرة باسمه قانونا، من أجل إنشاء مشروع استثماري بمبلغ مالي في غاية الأهمية، عملية لم يكتشفها إلا بعد أن انتهى من تشييد مشروعه، وعوض مباشرة العمل وجد نفسه غارقا في متاهات المحاكم. وبعد ست سنوات من التقاضي، مر خلالها من درجات التقاضي، بدءا بالمحكمة الابتدائية ومرورا بمحكمة الاستئناف، إلى أن انتزع قرارا قضائيا نهائيا من محكمة النقض لصالحه يثبت عملية التزوير التي تعرض لها، إلا أن كل ذلك لم يشفع له، بعد أن اصطدم القرار القضائي بصخرة عدم التنفيذ لتستمر المعاناة ويستمر هدر الوقت والجهد و يستمر المشروع في التوقف إلى ما لا نهاية.

الأحكام القضائية التي لا تعرف طريقها إلى التنفيذ هي دافع من دوافع إحباط الهمم وفقدان الثقة في جدوى المساطر القضائية التي تفضي لحق لا نفاذ له. شهد شاهد من أهل القضاء، لقد سبق للرئيس الأول لمحكمة النقض، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، محمد عبد النباوي، في لقاء سابق حول “عدم تنفيذ الأحكام القضائية”، نظمه وسيط المملكة بتنسيق مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة وإدارة الجمارك في ماي 2021، أن قال بأن الأحكام القضائية التي لا يتم تنفيذها، تجعل المتقاضين يشككون في سلطة القضاء، واعتبر ذلك مظهرا من مظاهر قصور النجاعة القضائية. شهادة مسؤول قضائي رفيع كافية لتوصيف واقع معاش يؤكد، فعلا، وجود عجز كبير في تنفيذ الأحكام الصادرة لفائدة الأشخاص العاديين والدولة على حد سواء، وهو بذلك واقع يسائل الجميع، لأن الدولة نفسها مسؤولة عن تنفيذها، حيث لا يعقل أن تعجز مؤسساتها على سلوك مسطرة التنفيذ، على حساب السلم الاجتماعي، حيث تداعيات ذلك تكون خطيرة على التنمية في مفهومها الشمولي، على اعتبار أنها ركيزة أمن واستقرار المجتمعات.

و لتبيان مدى أهمية القضاء بالنسبة للتنمية ودوره في تمتين الهرم المؤسساتي وحماية الدولة والأشخاص، هناك واقعة مشهورة في انجلترا، ما يزال البريطانيون يرددونها إلى اليوم. بينما كانت الطائرات النازية تدك لندن أثناء الحرب العالمية الثانية، جاء إلى رئيس الوزراء البريطاني آنذاك ونستون تشرشل، أحد مستشاريه وقاله له «إن مؤسساتنا دمرت والبنية التحتية انهارت». سأله تشرشل:«كيف حال القضاء»؟ أجاب بأن«القضاء عادل»، رد تشرشل: «إذن نحن بخير».» إذن، القضاء هو آخر القلاع التي يتحصن خلفها المواطن من الظلم والاستغلال، فحتى وإن انهارت كل مرافق الدولة، يبقى وحده كفيل بأن يحفظ .حياة الدولة والمجتمع من الانهيار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *