عمرة الموضة: حين يصبح الطريق إلى السماء فيش

بقلم زكية لعروسي، باريس

في كل رمضان تتكرر الحكاية ذاتها، كأنها طقس جديد لم تكتبه كتب الفقه بل صاغته تقاليد العصر: يختفي بعض المنتخبين والسياسيين عن مكاتبهم، تغلق الأبواب التي كانت تستقبل المواطنين، وتترك الملفات على الطاولات بانتظار عودة أصحابها من رحلة روحية إلى الديار المقدسة. يقال إنهم ذهبوا لأداء العمرة، وأنهم اختاروا رمضان لأن الثواب فيه أعظم، ولأن القلب في هذا الشهر أكثر استعدادا للغسل الروحي. لكن السؤال الذي يطفو، مثل قنديل حائر في ليل المدينة: هل نحن فعلا أمام غسل للأرواح، أم أمام موضةٍ جديدة لغسل الذنوب بسرعة العصر؟

في زمننا الاستهلاكي، يبدو أن كل شيء صار قابلا للتداول: المناصب، المبادئ، وحتى الطقوس. لم تعد الرحلة إلى مكة مجرد شوق روحي خالص، بل تحولت أحياناً إلى رأسمال رمزي يُضاف إلى السيرة الاجتماعية. فكما يتباهى البعض بسيارة جديدة أو منزل فاخر، صار بعضهم يتباهى بعدد العمرات التي أداها، وكأن الطريق إلى الله أصبح أيضا طريقا إلى المكانة. هنا تتسلل المفارقة العجيبة: العمرة، التي في جوهرها فعل تجرّد، أصبحت أحياناً فعل تراكم؛ تراكم للهيبة، وللصورة العامة، وللرصيد الاجتماعي.

أتذكر في مثل هذه اللحظات كلام أمي خيرة. امرأة بسيطة لم تقرأ كتب الفلسفة، لكنها كانت تفهم الحياة بفطرة أقرب إلى الحكمة الصوفية. كانت تقول لي دائما: “يا بنتي، الطريق إلى الله ما فيهش زحام… الزحام يكون غير فقلوب الناس.” كانت ترى أن العلاقة بين العبد وربه لا تحتاج إلى ضجيج ولا إلى شهود.  فالإيمان، في نظرها، مثل بئر عميقة: كلما نزلت إليها وحدك، ازداد صفاء الماء. لكننا اليوم نعيش زمنا مختلفا. زمن أصبحت فيه حتى اللحظات الروحية قابلة للتصوير والنشر والتفاخر. وكأننا لم نعد نثق في قيمة الفعل إلا إذا رأته العيون وصفقت له المنصات. من منظور سوسيولوجي، يمكن فهم هذا السلوك بوصفه جزءا من اقتصاد الرموز في المجتمع المعاصر. السياسي يحتاج دائما إلى ما يعزز صورته الأخلاقية، خصوصا في زمن الشكوك العامة. والعمرة، بما تحمله من قداسة، توفر غطاء مثاليا لذلك. إنها تمنح صاحبها هالة من الطهر الرمزي، حتى لو لم تتغير البنية العميقة للسلوك. أما من منظور صوفي، فالمسألة أكثر إيلاما. لأن التصوف يرى أن الرحلة الحقيقية ليست إلى مكة، بل إلى القلب. وأن الكعبة الخارجية لا تكتمل معناها إلا إذا استيقظت الكعبة الداخلية في الإنسان. كان المتصوفة يقولون إن أخطر ما قد يحدث للحج أو العمرة هو أن يتحولا إلى رحلة جسدية بلا سفر روحي. حينها يصبح الطواف حركة دائرية حول الحجر، لا حول المعنى.

المفارقة الأكثر مرارة هي أن مقام النبي نفسه، في وعينا الاجتماعي المعاصر، بدأ يخضع لمنطق المكانة والوقت. هناك من يزور المدينة كما يزور موقعا سياحيا روحيا، يلتقط الصور ويعود. وكأننا نستهلك القداسة كما نستهلك الأشياء. وهنا يعود سؤال أمي خيرة، بسيطاً كالمطر: “إذا كان الله أقرب إلينا من حبل الوريد، فلماذا نحتاج إلى كل هذا الضجيج لنقترب منه؟” ربما المشكلة ليست في العمرة نفسها، فهي عبادة عظيمة وشوق مشروع. المشكلة في العقل الاستهلاكي الذي دخل حتى إلى الحقول المقدسة. هذا العقل يحوّل كل شيء إلى فرصة عرض: الصدقة تصبح صورة، الزيارة تصبح إعلانا، والتوبة تصبح حدثا اجتماعيا. حتى العلاقة بين العبد وربه صارت، في بعض الأحيان، قابلة لـ”الفيش”  والتداول، كأنها بطاقة عبور في سوق المكانة. ومع ذلك، لا يزال هناك أمل صغير يشبه ضوء الفجر. لأن الحقيقة البسيطة التي قالتها أمي خيرة ما زالت صالحة لكل الأزمنة: “الله لا ينظر إلى عدد الرحلات… بل إلى الطريق الذي مشيته بقلبك.” فربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا سؤالا مختلفا: ليس كم مرة ذهبنا إلى مكة، بل كم مرة عدنا إلى أنفسنا. هناك فقط تبدأ العمرة الحقيقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *