“هرمز : “اللّي دخل البحر خاصّو يعرف يعوم

بقلم زكية لعروسي, باريس

في الحكمة الشعبية المغربية، هناك قاعدة بسيطة تقول: “اللّي دخل البحر خاصّو يعرف يعوم”. فالدخول إلى لعبة القوة في الشرق الأوسط ليس نزهة عسكرية، بل مقامرة مع الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد العالمي. وما يحدث اليوم في مضيق هرمز يذكّر العالم بهذه الحقيقة القديمة. ذلك الشريط البحري الضيق، الذي لا يتجاوز عرضه عشرات الكيلومترات، أصبح مرة أخرى قلب العاصفة الجيوسياسية. عبره يمر نحو خمس نفط العالم، ومنه تتنفس اقتصادات آسيا وأوروبا جزءا كبيرا من طاقتها. ولهذا السبب، عندما يختنق هرمز، يشعر العالم كله بضيق في الرئة الاقتصادية. لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يطرح الحل ببساطة تكاد تبدو مغرية: تشكيل تحالف دولي لمرافقة ناقلات النفط وإعادة فتح الممر البحري. فكرة تبدو سهلة على الورق. غير أن الشرق الأوسط ليس ورقة بيضاء، بل خريطة معقدة من التوازنات العسكرية والسياسية. وكما يقول المغاربة: “اللي شاف البحر من بعيد ما شاف غير الزرقة”…زرقة جغرافيا صغيرة… لكنها تملك .مفاتيح العالم

مضيق هرمز ليس مجرد ممر ملاحي. إنه عقدة استراتيجية بين الخليج العربي والمحيط الهندي. تمر عبره يوميا نحو 150 سفينة تجارية، بينها ناقلات نفط عملاقة تحمل ملايين البراميل. لكن المشكلة لا تكمن في عدد السفن، بل في طبيعة التهديدات. فإيران لا تعتمد فقط على أسطول بحري تقليدي. إنها طورت خلال السنوات الماضية عقيدة حرب غير متكافئة تعتمد على مئات الزوارق السريعة، والألغام البحرية، والطائرات المسيّرة، والصواريخ المضادة للسفن المنتشرة على طول الساحل الإيراني. بهذا المعنى، لا يحتاج الإيرانيون إلى السيطرة على البحر بالكامل. يكفيهم أن  يجعلوا المرور فيه خطرا وهنا .يظهر المثل الذي تردده أمي خيرة :”ما يقدر على الكبير غير الصغير اللي داير الحيلة”…إنها استراتيجية الإزعاج بدل المواجهة

القوة البحرية الغربية، المصممة أساسا لمواجهة أساطيل كبرى في أعالي البحار، تجد نفسها أمام نوع مختلف تماما من الحرب. فالمواجهة هنا ليست بين حاملات طائرات متقابلة، بل بين سفن عملاقة بطيئة وزوارق صغيرة قادرة على الظهور والاختفاء بسرعة. لهذا، فإن فكرة مرافقة كل ناقلة نفط تبدو شبه مستحيلة عمليا. فالمشكلة ليست حماية السفينة في لحظة عبورها فقط، بل تأمين طريق بحري يمتد آلاف الكيلومترات، من الخليج إلى المحيط الهندي. كما أن أي خطأ بسيط قد يتحول إلى كارثة بيئية واقتصادية. فغرق ناقلة نفط واحدة في الخليج قد يطلق ملايين البراميل في البحر الذي تعتمد عليه دول المنطقة لتحلية مياه الشرب. وهنا يبرز مثل مغربي آخر: “اللّي لعب بالنار كيتحرق”.

الولايات المتحدة تمتلك بلا شك أقوى قوة بحرية في العالم. لكن التاريخ العسكري يثبت أن القوة وحدها لا تكفي دائما لحل الأزمات المعقدة. فالمشكلة في هرمز ليست عسكرية فقط، بل سياسية أيضا. إذ يبدو أن واشنطن – بحسب بعض المحللين – راهنت على أن ضربات سريعة ضد إيران ستجبرها على التراجع. لكن حسابات الواقع كانت مختلفة. وكما يقول المغاربة:”اللي حسبها بالحسابات طاحت عليه بالواقع”. فإيران لا تستطيع إغلاق المضيق بالكامل، لأن اقتصادها يعتمد أيضا على تصدير النفط عبره. لكنها تستطيع إبقاءه في حالة توتر دائم، وهو ما يكفي لرفع أسعار النفط وإرباك الأسواق العالمية.

قد لا يكون الحل عسكريا بحتا. فبعض الدول الأوروبية بدأت بالفعل التفكير في مسارات دبلوماسية تسمح بمرور السفن دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. الشرق الأوسط علّم العالم درسا قديما: الحروب قد تفتح الممرات… لكنها لا تضمن الاستقرار فيها. ولهذا ربما تكون الحكمة المغربية الأقرب لفهم ما يجري: “الصبر مفتاح الفرج، ولكن الحكمة هي المفتاح الأكبر.” ففي مضيق هرمز، حيث تلتقي الجغرافيا بالنفط والسياسة بالقوة، يدرك الجميع حقيقة واحدة: أن السيطرة على البحر لا تعني دائما السيطرة على المصير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *