بقلم زكية لعروسي, باريس
في الأزمنة القديمة، كان المحاربون يعلّقون تمائم من عظام الذئاب على صدورهم قبل الذهاب إلى المعارك. كانوا يعتقدون أن الأرواح تسكن الأشياء، وأن قطعة حجر صغيرة قادرة على تغيير مصير جيش بأكمله. بعد آلاف السنين، لم يتغير الإنسان كثيرا. لقد استبدل عظام الذئاب بحلوى «شوكوبون»، واستبدل الكهنة بخبراء التسويق، واستبدل ساحات الحروب بملاعب كرة القدم. ها هو مشجع باريس سان جيرمان يدخل نهائي دوري أبطال أوروبا مسلحا بقارورة مياه معدنية محددة العلامة التجارية، وبنوع بعينه من الشوكولاتة، وبكلب صغير يرتدي قميص الفريق، وكأن مصير النادي العريق أصبح معلقا بين أسنان كلب من فصيلة شيبا إينو.
المشهد مضحك. لكنه أيضا بالغ الجدية. لأن ما يبدو مجرد طرفة كروية يكشف أحد أكثر التناقضات إثارة في الرأسمالية الرياضية المعاصرة. في الظاهر، يعتقد المشجع أنه يستهلك منتجا. في الحقيقة، المنتج هو الذي يستهلكه. فالمشجع الذي يكرر شراء القميص ذاته، والمشروب ذاته، والحلوى ذاتها، لا يشتري أشياء مادية فقط، هو يشتري شعورا نادرا اسمه «القدرة على التأثير». إنه يعرف عقليا أن شوكوبون لن يغير نتيجة المباراة. لكنه يشعر وجدانيا أن التخلي عنه قد يكون خيانة كونية لسلسلة الانتصارات.
وهنا تظهر عبقرية الاقتصاد الرياضي الحديث. لقد نجح في تحويل المشاعر إلى أسواق. والقلق إلى مبيعات. والأمل إلى سلع قابلة للتغليف. على أرض الملعب يركض لاعبون بأجساد تبدو وكأنها خرجت من مختبرات المستقبل: نسب دهون دقيقة، برامج غذائية صارمة، مراقبة بيولوجية مستمرة، وتحليل علمي لكل غرام يدخل المعدة. وفي المدرجات وأمام الشاشات، يدفع ملايين المشجعين نحو استهلاك متزايد للسكريات والوجبات السريعة والمشروبات الغازية والحلويات.

الرياضة التي تقدم نفسها باعتبارها معبدا للصحة واللياقة أصبحت في الوقت ذاته واحدة من أكبر منصات تسويق المنتجات المرتبطة بالاستهلاك المفرط. كأن الحضارة الحديثة تقول لنا: «اعبدوا الجسد المثالي… واشتروا ما يجعلكم تبتعدون عنه.» إنها مفارقة تستحق رواية ساخرة من طراز كافكا لو قرر فجأة أن يصبح محللا اقتصاديا. الرأسمالية التقليدية باعت البضائع. أما الرأسمالية الرياضية فتبيع الاحتمالات. القميص ليس مجرد قميص. إنه احتمال للفوز. التذكرة ليست مجرد مقعد. إنها احتمال للمشاركة في المجد. الحلوى ليست مجرد سكر. إنها احتمال لاستمرار البركة الكروية. وهكذا يتحول السوق إلى ما يشبه مصنعا عملاقا لإنتاج الطمأنينة. كل سلعة تحمل وعدا خفيا: ربما لا تصنع النصر… لكنها قد تمنع الهزيمة. وهذا يكفي.

الأمر الأكثر إدهاشا أن المشجع ليس ضحية بالمعنى التقليدي. إنه شريك واع في اللعبة.يعرف أن كلبه لا يغير تكتيك المدرب. ويعرف أن المياه المعدنية لا تمنح المهاجم دقة إضافية. ويعرف أن الشوكولاتة لا تحسن الضغط العالي. ومع ذلك يستمر. لماذا؟ لأن الإنسان لا يعيش بالوقائع وحدها. إنه يحتاج إلى الأساطير الصغيرة كي يحتمل فوضى العالم. كرة القدم هنا لا تبيع الأكاذيب. بل تبيع المعنى. وهذا أخطر وأكثر ربحية. في القرن التاسع عشر كانت المصانع تنتج الفولاذ. في القرن الحادي والعشرين تنتج الأندية الرياضية الهويات..

القميص، الكأس، الأغنية، الوشاح، الحيوان الأليف الذي يرتدي ألوان الفريق…كلها أجزاء من منظومة اقتصادية هائلة تحول العاطفة إلى دورة مالية مستمرة. إن المشجع لا يستهلك منتجا. إنه يستهلك نسخة محسنة من ذاته. نسخة يشعر فيها بأنه جزء من قصة أكبر منه. قد يبدو مشهد كيتسو، الكلب الذي يرتدي قميص باريس سان جيرمان، مادة للضحك. لكنه ربما يلخص العصر كله. عصر أصبحت فيه العلامات التجارية قادرة على عبور الحدود بين الإنسان والحيوان، بين الرياضة والاستهلاك، بين الواقع والأسطورة. لا أحد يصدق حقا أن الكلب يجلب الحظ. لكن الجميع يريد أن يصدق للحظة واحدة فقط. وتلك اللحظة العابرة هي أغلى سلعة اكتشفتها الأسواق الحديثة. إنها السلعة التي لا تصنع في المصانع. بل في القلب.
📲 Partager sur WhatsApp
كما تعودنا من هذه الكاتبة الموهوبة، تبدع زكية في اي موضوع تفرغت اليه ولو كان كرة قدم لم تمارسيه هي بالذات، لكن قوة ملاحظتها وتفكيرها الفلسفي وتحليلها الدقيق واسلوبها السخري لمظاهر اجتماعية حقيقية ترفعها ألى مستوى الكتاب الذين يستحقون أعلى جوائز العالم للفنون الجميلة. لنمهل قليلا حتى اكتشافها من لجن التقييم.
أجهزة الأيديولوجيا تفشل في مهمتها، وهو نادر، إذا لم تحول الإنسان الذي تستهدفه، الى ” اللاعب واللعبة” في آن .