بقلم زكية لعروسي, باريس
في تاريخ الحروب، لا يكون الموت دائما نتيجة مواجهة بين جيوش محترفة. كثيرا ما يُكتب قدر الضحايا في أماكن بعيدة عن ساحات القتال، في قرى فقيرة، أو في مكاتب توظيف وهمية، أو في وعود كاذبة تُباع للفقراء كما تُباع السلع الرخيصة في الأسواق. ما تكشفه قضية تجنيد الكينيين للقتال في أوكرانيا ليس مجرد تفصيل جانبي في الحرب، بل مرآة قاسية لنظام عالمي يزداد اختلالا، حيث تتحول الحاجة إلى مصيدة، والفقر إلى بندقية في يد الآخرين. تشير التقارير إلى أن أكثر من ألف كيني لقوا حتفهم بعدما أرسلوا للقتال تحت راية روسيا، في حرب لم تكن حربهم. كثير منهم لم يكن جنديا يوما، ولم يعرف معنى الخنادق أو أصوات المدفعية. كانوا شبابا يبحثون عن عمل، عن حياة أفضل، عن فرصة للهروب من ضيق العيش. لكن كما يقول المثل المغربي: “اللي ما عندو خبز، يشريلو الريح”. وحين تضيق الخيارات، يصبح الوهم نفسه سلعة مغرية.

وفق ما كشفته وسائل إعلام عدة، تلقى هؤلاء وعودا بوظائف مدنية في روسيا. وعندما وصلوا، وجدوا أنفسهم أمام عقد عسكري لا خيار لهم سوى توقيعه. هنا تتجلى إحدى أكثر ظواهر الحروب المعاصرة قسوة: تدويل الفقر. لم تعد الحروب تحتاج فقط إلى الأسلحة؛ إنها تحتاج أيضا إلى بشر يمكن استبدالهم بسهولة، بشر يأتون من أطراف العالم حيث الحياة نفسها رخيصة في حسابات السياسة. في هذا السياق، تبدو زيارة وزير الخارجية الكيني موساليا مودافادي إلى موسكو ولقاؤه نظيره الروسي سيرجي لافروف محاولة لإطفاء حريق أخلاقي قبل أن يصبح أزمة سياسية أوسع. لكن السؤال الأعمق ليس فقط: هل سيتوقف التجنيد؟ بل: لماذا أصبح ممكناً أصلا؟
التاريخ يجيبنا بصراحة قاسية. فالإمبراطوريات لطالما قاتلت بجنود من الأطراف. الإمبراطورية الرومانية اعتمدت على مقاتلين من المقاطعات، والقوى الاستعمارية الأوروبية زجّت بجنود أفارقة وآسيويين في حروب عالمية لا تخصهم مباشرة. لكن ما يحدث اليوم يحمل مفارقة أشد مرارة: فالعالم الذي يرفع شعار العولمة والحرية الاقتصادية يعيد إنتاج أنماط قديمة من استغلال البشر، ولكن بوسائل حديثة. في قلب هذه الحرب، يقف الرئيس الأوكراني فيلانسكي فالديمار في مواجهة روسيا بقيادة بوتين، بينما تمتد آثار الصراع آلاف الكيلومترات لتصل إلى القرى الإفريقية.

وكأن الحرب تقول للعالم إن الجغرافيا لم تعد تحمي أحدا؛ فمصير شاب في نيروبي قد يُكتب في خنادق دونباس. المثل المغربي يقول أيضا: “اللّي دارها بيديه يفكّها بسنيه”. لكن في هذه القصة، لم يكن الشباب الكيني هم من صنعوا المأساة. لقد دخلوا لعبة أكبر منهم، لعبة تتقاطع فيها السياسة الدولية مع اقتصاد الفقر. وعندما تسقط القذائف، لا تسأل عن جنسية من يموت تحتها. وهكذا تتحول الحرب في أوكرانيا من نزاع إقليمي إلى قصة إنسانية أوسع: قصة عالمٍ لا تزال فيه حياة البعض تستخدم وقودا لصراعات الكبار. وكما يقول المغاربة في حكمة مرة أخرى: “إلا طاح الجمل كثرت سكاكينه”… فعندما تضعف الشعوب الفقيرة، تتكاثر الأيدي التي تستغلها. لكن التاريخ يعلمنا أيضا شيئا آخر: أن مثل هذه القصص، مهما بدت صغيرة وسط ضجيج الحرب، تظل تترك ندبة أخلاقية في ذاكرة العالم. لأن الحرب قد تربح بالمدافع، لكنها تدان في النهاية بدم الأبرياء.
📲 Partager sur WhatsApp