بقلم زكية لعروسي, باريس
في الحروب الطويلة، لا تعيش الوقائع في الزمن اليومي فقط، بل تدخل ببطء إلى طبقات أعمق من التاريخ؛ تلك الطبقات التي كان الفلاسفة يسمونها «الزمن العميق للأمم». وما يحدث في أوكرانيا منذ 24 فبراير 2022 ليس مجرد صراع جيوسياسي بين دولتين، بل هو ـ في كثير من جوانبه ـ فصل جديد من مأساة أوروبية قديمة، حيث تتكرر الأسئلة ذاتها التي طاردت القارة منذ قرون: سؤال الإمبراطورية، وسؤال السيادة، وسؤال الإنسان حين يجد نفسه عالقا بين إرادة القوة ونداء الحرية.
حين التقى زيلينسكي بالممثل الأميركي شون بن في كييف، بدا المشهد، للوهلة الأولى، تفصيلا صغيرا في حرب تدار بالصواريخ والطائرات المسيّرة. لكن التاريخ يعلمنا أن الرموز أحيانا تفعل ما لا تفعله الجيوش. فالحروب ليست صداما بين المدافع فقط؛ إنها أيضا معركة سرديات. وفي زمن الإعلام الكوني، تصبح الصورة التي تجمع رئيس دولة بممثل هوليوودي أشبه بإشارة ثقافية تقول إن الصراع تجاوز حدوده العسكرية ليصبح مسألة أخلاقية في ضمير العالم. لقد فهمت كييف منذ البداية أن الحرب الحديثة لا تُخاض فقط على الجبهات، بل في الوعي العالمي. ولذلك لم يكن حضور شخصية ثقافية مثل شون بن مجرد زيارة تضامن، بل امتدادا لحرب رمزية تسعى فيها أوكرانيا إلى تثبيت صورتها كقضية حرية أمام الرأي العام الدولي. وهنا تتجلى مفارقة عصرنا: فالفنان الذي يفترض أن يعيش في عالم الخيال يجد نفسه شاهدا على واقع أكثر درامية من أي سيناريو سينمائي.

في هذه اللحظة التاريخية، يبدو زيلينسكي وكأنه يسافر بين العواصم الأوربية – من لندن إلى مدريد – لا كرئيس دولة فحسب، بل كحامل لقضية تسعى إلى البقاء في ذاكرة القارة. فالتاريخ الأوروبي يعلمنا أن الحروب الطويلة تنسى تدريجيا في ضجيج السياسة اليومية، وأن القادة يضطرون إلى إعادة تذكير العالم بأن النار ما زالت مشتعلة. لكن وراء كل هذه الوقائع السياسية يظل السؤال الفلسفي القديم: ماذا تفعل الحروب بالإنسان؟ إنها تضعه في مواجهة ذاته. فهي تكشف عن قدرته على التضامن كما تكشف عن ميله إلى العنف، وتعيد طرح معضلة السلطة التي تأمل فيها الفلاسفة من توماس هوبز إلى حنا آرنت: هل يقوم النظام العالمي على الخوف أم على القانون؟ الحرب في أوكرانيا لم تحسم هذا السؤال بعد. لكنها، مثل كل الحروب الكبرى، تعيد صياغته بدماء جديدة. وفي مكان ما بين قصر رئاسي في كييف، وصاروخ يسقط على قرية مجهولة، وصورة ممثل هوليوودي يقف بجانب رئيس دولة، يواصل التاريخ كتابة فصله التالي ببطء، وبقسوة، وبقدر من الدراما لا يقل عن أعظم الملاحم التي عرفتها البشرية.
📲 Partager sur WhatsApp