بقلم زكية لعروسي, باريس
في مساء, كانت فيه كابول تسرّح جراحها في, هواء بارد كشيخوخة الجبال، انشقّ الليل عن صاعقة ليست من برق السماء، بل من نزق الإنسان حين ينسى إنسانيته. سقطت القذيفة كأنها نبوءة عمياء، لا تفرّق بين جسد يطلب الشفاء وروح تتشبّث بخيط الحياة، فصار المستشفى – ذلك المعبد الصغير للرجاء – مقبرة فسيحة، تتلى فيها أسماء الضحايا بدل الأدعية. أيُّ عالم هذا الذي يبشّر بالسلام في خطاباته، ويخفي في أكمامه خرائط النار؟ كيف يستقيم ميزان الأرض، وريح الحرب تعصف من كل الجهات، حتى ليخال المرء أن القيامة لا تأتي دفعة واحدة، بل تتسرّب إلينا قطرة قطرة، في هيئة مجازر، وفي صورة أطفال ينتشلون من تحت الركام، كأنهم أسئلة بلا أجوبة؟
لقد كانت تلك الضربة، في ظاهرها، فصلا جديدا من صراع سياسي بين دولتين تتنازعان السيادة والحدود والنفوذ؛ غير أن باطنها أعمق، كجذر غائر في تربة التاريخ والعقيدة والذاكرة الجماعية. فهذه الأرض – التي عبرتها جيوش الإمبراطوريات، من خيول الغزاة إلى دبابات العصر – لم تعرف يوما سكونا كاملا، بل ظلت مسرحا لصراع الإرادات، حيث تختلط الجغرافيا بالعقيدة، وتتحوّل الحدود إلى جراح مفتوحة. السياسة هنا ليست مجرد حسابات باردة، بل هي نار تتغذّى من الخوف القديم، ومن سرديات متوارثة ترى في الآخر تهديدا وجوديا. وفي هذا المناخ، يصبح المستشفى هدفا محتملا، لا لأنه عدو، بل لأنه يقع في مرمى الشك، وكأن الشك نفسه صار سلاحا.

أما من جهة العقيدة، فالمأساة تكشف انزلاقا خطيرا: حين تختزل القيم في شعارات، ويستبدل ميزان الرحمة بمنطق الغلبة، يغدو القتل مبرّرا، وتختطف الأخلاق باسم الدفاع أو الردع. وهنا يتجلّى التناقض الفادح: كيف يدّعى حفظ الكرامة، والكرامة تدفن تحت الأنقاض؟ يقول مثل مغربي: “اللّي ما عندو كبير، يشري ليه كبير”, وكأن العالم، في غياب حكماء حقيقيين، صار يتيما يتخبّط في قراراته. ويقول إخواننا المصريون أيضا: “الدم ما يصيرش ما”، في إشارة إلى أن الدم المسفوك لا يتحوّل إلى شيء عابر، بل يظلّ شاهدا، يطالب بالمعنى قبل العدالة. وفي كابول، لم يكن الدم ماء، بل كان مرآة تعكس قسوة هذا العصر. وفي كتب التاريخ، قيل إن الحروب تبدأ بكلمة، وتنتهي بصمت المقابر. غير أن ما لم يقل كثيرا هو أن الحروب الحديثة لا تنتهي حقا؛ إنها تتبدّل، تتلوّن، وتعود في هيئة أخرى. وكأن الإنسان، رغم كل ما تعلّم، ما زال أسير غريزته الأولى: أن يخاف، فيضرب، ثم يندم… أو لا يندم.
فأيّ فلسفة يمكن أن تفسّر هذا الانحدار؟ هل نحن أمام عبث كوني، حيث لا معنى إلا ما نصنعه نحن؟ أم أن العالم، كما قال الحكماء، يختبر نفسه عبر مآسيه، كأن الألم هو اللغة الوحيدة التي يفهمها حين يضلّ الطريق؟ إن كابول، في هذه اللحظة، ليست مدينة فقط، بل استعارة كبرى: استعارة لعالم يقف على حافة تناقضاته، يرفع راية الحضارة بيد، ويشعل الحروب بالأخرى. عالم يبدو فيه السلام كحلم مؤجل، أو كقصيدة جميلة تقرأ في زمن لا يجيد الإصغاء.

ومع ذلك، ورغم كل هذا السواد، يظلّ في الإنسان شيء عصيّ على الانكسار. ذلك الشيء الذي يجعل أما تنتظر ابنها، وطبيبا يعود إلى العمل بين الأنقاض، وشاهدا يروي الحقيقة رغم الخوف. لعلّه الأمل… أو لعلّه عناد الحياة نفسها. فهل يكون الخلاص في مراجعة صادقة، أم في صدمة أكبر توقظ الضمير العالمي؟ لا أحد يعلم. لكن المؤكد أن التاريخ، وهو يكتب هذه الصفحة، لن ينسى أن مستشفى في كابول صار شاهدا على زمن اختلطت فيه الحكمة بالجنون، حتى باتت القيامة… أقرب مما نظن.
📲 Partager sur WhatsApp