برلين ترفض أن تستدرج إلى حرب ليست حربها

بقلم زكية لعروسي، باريس

ي لحظات دولية مشحونة، حيث تتشابك المصالح الكبرى كما أمواج مضيق هرمز، جاء الموقف الألماني لا كتصريح سياسي عابر، بل كبيان فلسفي في فنّ إدارة القوة وضبط النفس. لم يكن رفض برلين المشاركة العسكرية إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل مجرّد “لا” دبلوماسية، بل كان إعلانا صريحا عن نموذج مختلف في التفكير الاستراتيجي: نموذج يفضّل حساب العواقب على نشوة الاصطفاف، ويقدّم منطق الدولة على إغراء التحالف.

حين قال المستشار الألماني إن هذه الحرب “ليست شأنا لحلف الناتو”، فهو لم يخالف حليفا، بل أعاد تعريف حدود التحالف ذاته. فالناتو، في جوهره، ولد كتحالف دفاعي، لا كأداة مفتوحة لإدارة النزاعات خارج نطاقه الجغرافي والسياسي. بهذا المعنى، لم يكن الموقف الألماني تمرّدا، بل عودة إلى الأصل، إلى الفكرة الأولى التي تأسس عليها النظام الأمني الغربي بعد الحرب العالمية الثانية. غير أنّ العمق الحقيقي لهذا الموقف يكمن فيما هو أبعد من النصوص: في الوعي الألماني بالتاريخ. فألمانيا، التي دفعت أثمان الحروب الكبرى من وجودها وذاكرتها، طوّرت حساسية مفرطة تجاه أي انزلاق عسكري غير محسوب. إنها دولة تعرف أن الشرارة الصغيرة قد تشعل قارة، وأنّ الطرق إلى الكوارث غالبا ما تبدأ بخطوات صغيرة تبرَّر بلغة الضرورة.

ثمّة أيضا بعد دستوري لا يقلّ أهمية. فالدولة الألمانية الحديثة لا تتحرك عسكريا إلا تحت مظلة شرعية دولية واضحة، سواء عبر الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو الناتو. وهذا ليس قيدا بيروقراطيا، بل تعبير عن فلسفة  سياسية ترى أن القوة، إذا لم تقنّن، تحوّلت إلى فوضى. وهنا تتجلّى المفارقة: بينما ينظر إلى القوة العسكرية في بعض العواصم كأداة أولى للحل، تراها برلين خيارا أخيرا، لا يستدعى إلا حين تستنفد كل السبل الأخرى. لكن، هل الموقف الألماني مجرد أخلاق سياسية؟ أم أنه أيضا حساب بارد للمصالح؟

في الحقيقة، هو كلاهما. فبرلين تدرك أن الانخراط في صراع معقّد في الخليج لن يحقق لها مكاسب استراتيجية تُذكر، بل قد يفتح عليها أبواب استنزاف سياسي واقتصادي وأمني. كما أن أولوياتها العسكرية متمركزة في فضاء آخر: شرق أوروبا، حيث التوتر مع روسيا، والشمال البارد الذي يخفي تحت جليده صراعات جيوسياسية لا تقل خطورة. إن توزيع الموارد، في عالم محدود الإمكانات، هو جوهر الاستراتيجية، وألمانيا تختار معاركها بدقة.

ومن زاوية أعمق، يبدو أن برلين تدرك ما يغيب أحيانا عن الحماسة السياسية: أن حماية الملاحة في مضيق هرمز ليست مجرد عملية عسكرية، بل معضلة جيوسياسية معقدة. فكيف يمكن لقوة خارجية أن تفرض “الأمن” في منطقة يغلي فيها التوتر، دون أن تتحول هي نفسها إلى طرف في الصراع؟ وكيف لعدد محدود من الفرقاطات الأوروبية أن يحقق ما تعجز عنه القوة البحرية الأمريكية الهائلة؟ إنّ هذا السؤال، الذي طرحه وزير الدفاع الألماني بسخرية ذكية، يكشف هشاشة بعض الطروحات التي تقدَّم تحت عنوان “المساهمة الرمزية”.

في المقابل، لا يعني الرفض الألماني انسحابا من المشهد، بل إعادة تموضع. فبرلين لا ترفض الدور، بل تعيد تعريفه: من القوة الصلبة إلى الدبلوماسية، من العسكرة إلى الوساطة. إنها تراهن على أن نهاية الحروب لا تكتب في البحر، بل على طاولات التفاوض. وربما في هذا الرهان شيء من المثالية، لكنه أيضا يعكس فهما عميقا لطبيعة الصراعات الحديثة، حيث لا يكفي التفوق العسكري لصناعة السلام.

إنّ الموقف الألماني، في جوهره، ليس ضعفا كما قد يصوَّر، بل نوع من الشجاعة السياسية النادرة: شجاعة قول “لا” حين يكون الجميع مستعدا لقول “نعم”، وشجاعة التفكير خارج منطق الاصطفاف الأعمى. إنه تذكير بأن العالم لا يدار فقط بالقوة، بل بالحكمة أيضا، وأن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تتحقق في ميادين القتال، بل تلك التي تمنع القتال أصلا. وهكذا، تقف ألمانيا اليوم لا على هامش الحدث، بل في قلب معناه: تطرح سؤالا محرجا على النظام الدولي بأسره: هل ما زلنا نملك القدرة على تجنّب الحروب، أم أننا فقط نبحث عن طرق أكثر أناقة 

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *