العلمانية الفرنسية…هيبة القانون والقلق

بقلم زكية لعروسي. باريس

في قلب الجمهورية التي رفعت منذ الثورة الفرنسية شعار الحرية، والمساواة، والأخوّة، تعود مسألة الحياد الديني لتطلّ برأسها من جديد، لا كقضية قانونية فحسب، بل كمرآة تعكس توترا عميقا بين النصّ وروحه، بين الدولة كفكرة، والمجتمع ككائن حيّ يتغير باستمرار. في قرار حديث صادر عن المحكمة الإدارية في ديجون، تم تثبيت منع ارتداء “الرموز الدينية الظاهرة” داخل المجالس البلدية، في خطوة تبدو للوهلة الأولى وكأنها انتصار صامت لمبدأ العلمانية، لكنها في العمق تفتح بابا واسعا على أسئلة أكثر التباسا: هل نحن أمام حماية للفضاء العام، أم إعادة رسم حدوده بطريقة تجعل الجسد نفسه مجالا للتشريع؟

القرار، الذي ارتبط بمدينة شالون سور سون، لم يولد في فراغ. بل هو امتداد لسلسلة من التحولات التي بدأت منذ قانون 2004، حين قررت الدولة أن تفصل بين التلميذ ورمزه، بين المدرسة وما يحمله الجسد من دلالات. غير أن انتقال هذا المنطق من فضاء التعليم إلى فضاء التمثيل السياسي يحمل دلالة مختلفة تماما: هنا، لم يعد المواطن مجرد متعلم، بل أصبح فاعلا منتخبا، حاملا لصوت ناخبيه، فهل يمكن اختزال هذا الصوت في شرط الحياد الشكلي؟ يبدو المشهد وكأن الجمهورية تحاول أن تكتب نصا جديدا على جلد الزمن، لكنها تستعمل حبر الماضي ذاته. في خلفية هذا القرار، يقف جيل بلاتري، العمدة الذي لا يتردد في اقتحام المناطق الرمادية، كمن يسير في غابة كثيفة حاملا مشعلا قد يضيء الطريق أو يشعل الحريق. قراراته السابقة، من محاولة منع رموز سياسية إلى تنظيم الفضاء العام وفق تأويل صارم للعلمانية، ترسم ملامح رؤية ترى في الحياد ليس مجرد مبدأ، بل سدا دفاعيا ضد ما تعتبره تسللا للرمزي إلى السياسي. لكن، هل يمكن فعلا فصل الإنسان عن رمزه كما يفصل الظل عن الجسد؟

هنا تبدأ الحكاية في الانزلاق نحو بعدها الفلسفي. فالحجاب، أو الصليب، أو الكيباه، ليست مجرد أقمشة أو معادن، بل شظايا من هوية، آثار غير مرئية لذاكرة طويلة، تختبئ في تفاصيل الجسد كما تختبئ الحفريات في طبقات الأرض. وحين تقرر الدولة أن تضبط هذه العلامات، فإنها لا تنظم المظهر فقط، بل تعيد ترتيب العلاقة بين الداخل والخارج، بين الإيمان والتمثيل. كأن القانون، في لحظة ما، قرر أن يتحول إلى عالم آثار، يحفر في طبقات الهوية بحثا عن “حياد نقي”، لا أثر فيه لأي انتماء. غير أن هذا الحياد نفسه يظل مفهوما زئبقيا؛ كلما حاولت الإمساك به، تسلل من بين الأصابع. لأن الفضاء العام ليس مختبرا معقما، بل ساحة تتقاطع فيها اللغات، والرموز، والذاكرات. وعندما يطلب من المنتخب أن يخلع رمزه قبل دخوله المجلس، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بهدوء مقلق: هل يخلع معه جزءا من صوته أيضا؟

القرار القضائي يؤكد أن الحرية لا تلغى، بل توازن. لكن هذا “التوازن” يبدو أشبه برقصة دقيقة فوق خيط مشدود بين مبدئين متعارضين: حرية الضمير من جهة، وحياد المؤسسة من جهة أخرى. وكل خطوة في هذه الرقصة قد تفسر إما كحماية للجمهورية، أو كضغط على فردانيتها. في هذا المشهد، تبدو فرنسا وكأنها تعيد اختبار نفسها. ليس فقط كدولة قانون، بل كفكرة فلسفية: إلى أي حد يمكن للحياد أن يكون محايدا فعلا؟ وأين ينتهي دور الدولة في التنظيم، ويبدأ حق الفرد في التعبير؟ هكذا، يتحول قرار قضائي إلى مرآة كبرى، تعكس ليس فقط وضعية مجلس بلدي في مدينة متوسطة، بل ارتباكا حضاريا أعمق. ارتباك أمة تحاول أن تحافظ على نقاء مبادئها، في عالم لم يعد يؤمن بالنقاء، بل بالتعدد. لا يبقى السؤال قانونيا فقط، بل إنسانيا أيضا: حين نطلب من الإنسان أن يكون محايدا تماما…هل نطلب منه أن يكون مواطنا كاملا، أم كائنا منزوعا 

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *