أسباب الصراع بين باكستان وأفغانستان؟

بقلم زكية لعروسي

في قلب آسيا المضطربة، يعود التوتر بين أفغانستان وباكستان إلى الواجهة بوصفه أكثر من مجرد تبادل قصفٍ عابر أو ردود فعل حدودية. إنه صراع متجذّر في تداخل الأمن بالهوية، والتاريخ بالجغرافيا، والدولة الهشّة بالمؤسسة العسكرية الثقيلة. ما يجري اليوم هو انفجار دوري في معادلة لم تحلّ منذ قرن. البعد الأمني هو الشرارة الأكثر وضوحا. تتهم إسلام آباد حركة تحريك طالبان-باكستان باستخدام الأراضي الأفغانية قاعدة خلفية للتدريب والتخطيط والانسحاب بعد تنفيذ الهجمات داخل باكستان. ومنذ عودة حركة طالبان إلى الحكم في كابول عام 2021، تصاعدت هجمات هذا التنظيم بوتيرة لافتة. ترى باكستان أن أفغانستان، بحكم التقارب الإيديولوجي بين طالبان الأفغانية ونظيرتها الباكستانية، وفّرت بيئة متساهلة أو عاجزة عن كبح هذا التمدد. أما كابول، فتنفي أي دعم مباشر، وتؤكد أن أراضيها لن تستخدم ضد دولة أخرى، لكن ضعف الدولة الأفغانية وقدرتها المحدودة على ضبط حدود وعرة وطويلة يجعل هذا النفي موضع تشكيك دائم.

غير أن الأمن ليس سوى الطبقة السطحية للأزمة. تحتها يكمن جرح تاريخي اسمه خط ديورند. هذا الخط الذي رسمته الإمبراطورية البريطانية عام 1893 شطر المجال القبلي البشتوني بين كيانين سياسيين. باكستان تعتبره حدودا دولية نهائية، بينما لم تعترف به الحكومات الأفغانية المتعاقبة اعترافا كاملا. إن النزاع  ليس مجرد خلاف قانوني، بل مسألة هوية وسيادة ورؤية للدولة. ففي المناطق البشتونية تتقاطع الولاءات القبلية مع الانتماءات الوطنية، ما يجعل أي توتر أمني سريع التحول إلى توتر قومي. في هذا السياق، يتخذ الصراع بعدا مزدوجا. طالبان الأفغانية، التي تسعى إلى تثبيت شرعيتها داخليا وخارجيا، لا تستطيع الظهور بمظهر التابع لإملاءات إسلام آباد. وفي الوقت نفسه، لا تملك ترف مواجهة عسكرية مفتوحة مع قوة نووية تمتلك جيشا يتجاوز عدده نصف مليون جندي. أما باكستان، فهي ترى في استمرار هجمات طالبان الباكستانية تهديدا مباشرا لبنية الدولة، خصوصا في ظل أزمات اقتصادية وسياسية داخلية. التصعيد الخارجي قد يشكل 

بالنسبة للمؤسسة العسكرية الباكستانية وسيلة لإعادة توحيد الجبهة الداخلية وصرف الأنظار عن اختلالات الداخل. المشهد الإقليمي يزيد الصورة تعقيدا. أفغانستان اليوم شبه معزولة دوليا، اقتصادها هشّ وتعتمد على مساعدات محدودة. باكستان بدورها تعيش ضغوطا مالية وتوازنات دقيقة مع الصين والولايات المتحدة ودول الخليج. أي انزلاق إلى حرب مفتوحة سيحمل كلفة باهظة على الطرفين، من دون مكاسب استراتيجية واضحة. لذلك يبدو أن ما نشهده أقرب إلى «حرب ضغط» منه إلى حرب احتلال: ضربات محسوبة، رسائل نارية، وتلويح بالقوة لفرض معادلات ردع جديدة. عسكريا، تميل الكفة بوضوح إلى باكستان في مواجهة تقليدية. لكنها في حروب الاستنزاف غير المتماثلة، حيث تختلط الجغرافيا الجبلية بالشبكات القبلية والولاءات العقائدية، تصبح القوة الصلبة أقل حسما. التاريخ الأفغاني شاهد على صعوبة إخضاع هذه الأرض بالقوة وحدها. وفي المقابل، لا تستطيع كابول تحمل مواجهة شاملة قد تزعزع بقاء النظام نفسه

.

السيناريو الأكثر ترجيحا ليس الحرب الشاملة ولا السلام المستقر، بل استمرار التوتر المنخفض الحدة: قصف محدود، إغلاق معابر، تبادل اتهامات، ومحاولات وساطة إقليمية صامتة. لكن الخطر الحقيقي يكمن في خطأ تقدير واحد، في هجوم يتجاوز «الخطوط غير المعلنة»، فيتحول الضغط إلى مواجهة أوسع. إن الصراع بين باكستان وأفغانستان ليس صدام دولتين فحسب، بل انعكاس لأزمة الدولة الحديثة في فضاء قبلي-حدودي لم تحسم خرائطه النفسية. إنه صراع بين منطق السيادة الصارمة ومنطق الانتماء العابر للحدود، بين جيش منظم وحركات مسلحة مرنة، بين حدود رسمها الاستعمار وواقع اجتماعي لم يعترف بها بالكامل. وفي هذا التداخل المعقّد، تبقى آسيا الوسطى على حافة اشتعال دائم، حيث كل هدنة مؤقتة، وكل تصعيد يحمل في طياته تاريخا لم يسوَّ بعد.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *