العيد… “تامغريبت” وطن داخل القلب

بقلم زكية لعروسي، باريس

“عيد بأيّة حال عُدتَ يا عيدُ…” ليس مجرد شطر شعري، بل سؤال يتردّد في صدور المغتربين كلما أطلّ العيد من نافذة بعيدة، محمّلا بعبق لا يشبه الحاضر، وبصور لا تستعاد إلا في الخيال. فالعيد في الغربة امتحان للذاكرة، ومرآة تعكس ما تبقّى فينا من “تامغريبت”؛ تلك الروح المغربية الأصيلة التي لا تقاس بالمكان، بل بالانتماء. في المغرب، كان العيد يبدأ قبل أن يبدأ. يبدأ في تلك التفاصيل الصغيرة التي لا تشترى: في صوت الأمهات وهنّ يعجنّ الدقيق، في رائحة الزبدة وهي تذوب على نار هادئة، في ضحكات الأطفال وهم يتسلّلون لسرقة قطعة “كعك” قبل أن يبرد. كان العيد يصنع باليد، ويحفظ بالقلب. ذاك “الكعك المدور”، وذلك “الكاطو ديال نوا دي كوكو”، لم يكونا مجرد حلويات، بل كانا ذاكرةً تُخبز. كانت الأمهات يضعن في العجين شيئًا من الحنان، وتضيف الجدّات إليه أسرارا لا تكتب في وصفات. في كل بيت مغربي، كان هناك لحظات مقدّسة: طاولة كبيرة، نساء يجتمعن، حديث لا ينتهي، وضحك يمتدّ كخيط من نور بين الأجيال.

أما اليوم، فقد تغيّر المشهد في كثير من البيوت داخل الوطن. أصبح العيد، عند البعض، مناسبة للعرض أكثر منه للعيش. “الفِيش”، “بقناطير الذهب”، وصور تنشر أكثر مما تحسّ. حلّ الجاهز محلّ المصنوع، وتراجعت الطقوس أمام إيقاع السرعة. كأن العيد فقد شيئا من روحه، أو كأننا نحن من ابتعدنا عنه. وفي المقابل، نعيش نحن المغتربون العيد بطريقة مختلفة، وربما أعمق. في الغربة، لا شيء بديهي. كل شيء يحتاج إلى جهد كي يستعاد: النكهة، الصوت، اللمسة. هناك، تصبح “تامغريبت” فعل مقاومة، لا مجرد عادة. تخبز الحلويات بإمكانيات بسيطة، لكن بروح عظيمة. تقام الزيارات، حتى لو كانت عبر الهاتف، وتحضر العائلة، حتى لو كانت في الخيال.

في الغربة، تتعلّم أن الوطن ليس فقط أرضًا، بل هو طقوسٌ تعيشها، وقيم تحافظ عليها. تدرك أن العيد ليس في اللباس الفاخر، بل في دفء اللقاء، ولو كان افتراضيا. ليس في كثرة الأطباق، بل في صدق النية. هناك، يصبح الحنين وقودا، والذاكرة بيتا، والعيد وعدا بالعودة، حتى وإن تأخّر. من هنا، تبرز الحاجة إلى ترسيخ هذه التقاليد، لا كحنين عابر، بل كمشروع ثقافي. إن إنشاء مراكز ثقافية مغربية في بلدان الغربة ضرورة. فضاءات تعلّم الأجيال الجديدة معنى “تامغريبت”، حيث تحكى القصص، وتحضّر الحلويات، وتغنّى الأغاني التي كادت أن تنسى. لأن الهوية، إن لم تعش، تذبل. “تامغريبت” ليست شعارا، بل هي الأسرة، الثقافة، الذاكرة. هي تلك اللحظة التي تجتمع فيها القلوب، حتى لو فرّقتها الجغرافيا. هي العيد، حين يعود… ولو في الخيال. فأيّها العيد، كلما عدت في الغربة فعد دوما كماعرفناك، واعلم أننا لم نغادرك، بل حملناك معنا… كما يحمل “سيدي علي بقشاوشو” .

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *