ألعاب الفيديو بين الإغراء والتجنيد؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

 لم تعد فيه الحروب تخاض فقط بالرصاص، بل بالرموز، بالصورة، وبالخيال… يبرز سؤال مقلق : ماذا لو كانت يد خفية تعيد تشكيل وعي الأجيال من داخل ألعابهم؟ لم يعد عالم الألعاب الإلكترونية مجرد مساحة للترفيه أو الهروب المؤقت من الواقع. لقد أصبح، شيئا فشيئا، فضاء رمزيا تتقاطع فيه المصالح السياسية مع تقنيات التأثير النفسي. هناك، خلف الشاشات المضيئة، تنسج سرديات، وتبنى ولاءات، ويعاد تعريف معنى الحرب والبطولة.

في ظاهر الأمر، يبدو اللاعب مجرد شاب يمسك جهاز تحكم، يطارد نقاطا أو ينتصر في معركة افتراضية. لكن في العمق، تتشكل مهارات دقيقة: سرعة القرار، التكيف مع الفوضى، التحكم في الأدوات عن بعد…أليست هذه، بشكل ما، صفات الجندي الحديث؟ وأكثر تحديدا: مشغّل الطائرات المسيّرة؟ هنا، يختلط الافتراضي بالواقعي، ويصبح السؤال الفلسفي أكثر إلحاحا: هل نلعب لأننا نحب اللعب… أم لأننا نُدرَّب دون أن ندري؟

ليست القوة في السلاح وحده، بل في القصة التي تروى حوله. في بعض البيئات الرقمية، يُعاد رسم التاريخ، وتقلب الأدوار، فيصبح المعتدي ضحية، والضحية معتديا. تزرع الفكرة في ذهن اللاعب لا كخطاب سياسي مباشر، بل كتجربة يعيشها بنفسه. يقول ابن خلدون: “المغلوب مولع أبدا بتقليد الغالب. “فماذا يحدث حين يصاغ “الغالب” داخل لعبة؟ حين تقدَّم له صورة جذابة، بطولية، منتصرة… هل يصبح تقليده مجرد احتمال، أم حتمية نفسية؟

تتخذ المسألة أبعادا أكثر خطورة حين تتحول هذه الفضاءات إلى أدوات استقطاب مباشر. وعود بالمال، بالهوية، بالمستقبل… تقدَّم لشباب يبحثون عن معنى أو فرصة. لكن خلف هذا الإغراء، تكمن حقيقة قاسية: الحرب ليست لعبة، والموت ليس إعادة تشغيل. يقول الفيلسوف أبو حامد الغزالي: “العلم بلا عمل جنون، والعمل بلا علم لا يكون.” فكيف إذا كان “العمل” هنا هو الحرب، و”العلم” هو مجرد وهم رقمي؟

في عمق الليل، حين تخفت الأضواء، وتبقى الشاشة وحدها مضيئة، تتسلل الأسئلة: من يوجّه هذا العالم الافتراضي؟ هل نحن أمام تطور طبيعي، أم مشروع استراتيجي طويل الأمد؟ هل يمكن أن تصبح الألعاب ساحة “تجنيد ناعم” تتجاوز الحدود والجغرافيا؟ ربما لا توجد إجابات قاطعة، لكن المؤكد أن الحدود بين اللعب والحرب لم تعد واضحة كما كانت

.

ما يحدث اليوم ليس استغلالا, بل مؤشرا على تحول أعمق في طبيعة الصراع الإنساني. إنها حرب على الوعي، تخاض بأدوات ناعمة، لكنها لا تقل تأثيرا عن المدافع. يقول المفكر المعاصر عبد الله العروي: “الأخطر من السيطرة على الأرض، هو السيطرة على التصور.” وهنا يكمن جوهر القضية: من يسيطر على خيال الشباب… يملك مستقبلهم. ليست المشكلة في الألعاب بحد ذاتها، بل في ما يزرع داخلها. فبين متعة اللعب وخطورة التوجيه، يقف جيلٌ كامل على حافة سؤال مصيري: هل نحن لاعبو هذا العالم… أم مجرد شخصيات في لعبة أكبر؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *