ترامب وأعمال وعقول إيركول الإثنا عشر

بقلم زكية لعروسي، باريس

لو عاد إيركول من أساطيره، ونظر إلى عالم اليوم، لربما ضحك طويلا ثم قال: “كنت أظن أن إنجازاتي الاثني عشر قمة الجنون… حتى رأيت السياسة الحديثة.” لكن الفرق أن إيركول كان يقتل الوحوش ليحرر البشر، بينما بعض ساسة اليوم يخلقون الوحوش ليحكموا بها. لنأخذ هذا المشهد: رئيس يعلن، دون مواربة، فرحه بوفاة رجل مثل روبر ميلار المدعي العام الروسي. هنا لا نتحدث عن خلاف سياسي عابر، بل عن انزلاق في سلّم القيم، حيث يصبح الموت حدثا يقاس بمنفعة شخصية، لا بكرامة إنسانية.

أي عقل هذا؟ أهو”عقل الحرب” الذي يرى العالم ساحة دائمة للاشتباك؟ أم”عقل الصفقة” الذي لا يعترف إلا بالربح والخسارة؟ أم أننا أمام توليفة عجيبة من “عقول إيركوليس الاثني عشر”، لكن بشكل مقلوب، حيث تتحول كل مهمة نبيلة إلى عبء أخلاقي؟ في الفلسفة اليونانية، كان سقراط يرى أن الجهل هو أصل الشر. لكن ما نراه اليوم ليس جهلا بسيطا، بل معرفة تستخدم ببرود. أن تفرح بموت خصمك، ليس لأنك لا تعرف، بل لأنك اخترت أن ترى العالم بلا تعاطف. وهنا يصبح السؤال أخطر: هل المشكلة في الجهل… أم في غياب الضمير؟

ثم هناك “عقل المؤامرة”، الذي يلوّح بشبح روسيا في كل زاوية، كما حدث في قضية “التدخل الروسي”. لقد تحوّلت إلى شماعة سياسية، تعلّق عليها الهزائم والانتصارات معا. والغريب أن هذا العقل نفسه، الذي يرفض نتائج التحقيق حين لا تناسبه، لا يتردد في استثمارها حين تخدم روايته. ولا يكتمل المشهد دون “عقل الهجرة”، حيث تختزل قضايا معقدة – كالهجرة من الصومال أو غيرها – في خطابات خوف وتبسيط. وكأن الإنسان لم يعد إنسانا، بل رقما في معادلة انتخابية. هنا، تتجلى إحدى مفارقات السياسة الحديثة: كلما تعقّد الواقع، ازداد الخطاب بساطة… بل سذاجة أحيانا

أما الحلفاء، فهم قصة أخرى. في منطق القوة، لا يوجد صديق دائم، بل مصلحة دائمة. وهكذا يتحول الحليف إلى ورقة، تلعب حين تنفع، وترمى حين تنتهي صلاحيتها. كأن السياسة عادت إلى حالتها البدائية، التي وصفها ابن خلدون حين تحدث عن العصبية: تكتلات تتحالف لا حبا، بل خوفا أو طمعا.

لكن الذروة، الذروة الحقيقية، هي في هذا المشهد الرمزي: رجل في قمة السلطة، يعلن فرحه بموت آخر. هنا تسقط الأقنعة، وتنكشف السياسة كاختبار أخلاقي قبل أن تكون لعبة استراتيجية. في الأمثال العربية، يقال: “اللهم لا شماتة لأن الموت خسارة.” لأن الموت، في عمقه، يذكّر الجميع بحدودهم. لكن حين يغيب هذا الوعي، يتحول السياسي إلى كائن يتصرف وكأنه خارج الزمن، خارج الحساب، خارج الإنسانية نفسها.

فهل نحن أمام زعيم استثنائي؟ أم أمام مرآة لعصر بأكمله، عصر اختلطت فيه البطولة بالاستعراض، والحكمة بالصخب، والسياسة بالمسرح؟ ربما لم تعد المشكلة في رجل واحد، بل في عالم بات يكافئ هذا النوع من العقول. عالم يحتاج، أكثر من ؟أي وقت مضى، إلىأعمال وعقول إيركولي جديد… لا ليقتل الوحوش، بل ليعيد تعريف من هم الوحوش أصلا

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *