ترامب: إقحام أجهزة الهجرة في أمن المطارات

بقلم زكية لعروسي, باريس

في عالم يدار من أطراف مضطربة تتناسل فيها الأزمات، يخرج الخطاب السياسي أحيانا ككائن هجين: نصفه واقع، ونصفه سردية متخيَّلة تصاغ لإخفاء واقع أكثر قسوة. هكذا يبدو المشهد مع دونالد ترامب، وهو يلوّح بإقحام أجهزة الهجرة في أمن المطارات، في لحظة تبدو فيها الدولة الأمريكية – في قلبها الصلب – عاجزة عن دفع رواتب موظفيها. ليس هذا مجرد خلل إداري، بل علامة على تصدّع أعمق: حين تفقد الإمبراطورية توازنها، تبدأ في إعادة توزيع القلق بدل حلّه.

قد يبدو الحديث عن الصومال، أو عن “الخطر القادم من الخارج”، وكأنه تفصيل عابر في خطاب سياسي أمريكي، لكنه في الحقيقة جزء من بنية أقدم: بنية تعيد إنتاج “الآخر” بوصفه مصدر التهديد، كلما تعذّر على النظام تفسير أزماته الداخلية. الصومال هنا ليس دولة بقدر ما هو رمز. رمز للهشاشة، للفوضى، لفراغ السلطة. لكن المفارقة الكبرى أن هذا الرمز يستدعى في لحظة تتحوّل فيها القوة العظمى نفسها إلى فضاء من الشلل المؤسسي. كأن الخطاب يقول دون أن يصرّح: “إذا كان الداخل يتفكك، فلنضخّم الخارج حتى يبدو أكثر خطورة.”

في التراث العربي، يروي الحكماء عن رجل كان يغرق في بحر هائج، لكنه بدل أن يستغيث، أخذ يصف للناس جمال الموج. هكذا يبدو ترامب في كثير من لحظاته: غارق حتى الركبتين – وربما أكثر – في أزمات بنيوية، لكنه يخرج بخطابات مشحونة بصور حادّة، وأفكار تبدو وكأنها قفزات خيال سياسي. ليس هذا جنونا، بل استراتيجية. فالخيال هنا ليس هروبا من الواقع، بل أداة لإعادة تشكيله. حين يقترح أن تقوم شرطة الهجرة بأمن المطارات، فهو لا يعالج أزمة الموظفين، بل يعيد تعريف الأمن ذاته: من خدمة عمومية إلى مسألة سيادية مشحونة بالخوف والهوية.

في كتابات المفكرين المسلمين الكبار، من الفارابي إلى ابن خلدون، نجد دائما تحذيرا من لحظة تتحول فيها الدولة من “تدبير للعمران” إلى “تدبير للخوف”. الخوف، حين يصبح أداة حكم، لا يحتاج إلى حقائق، بل إلى صور. وهنا يولد الخيال الجيوسياسي: تهديدات مضخَّمة, أعداء مبهمون حلول تبدو حاسمة لكنها رمزية أكثر مما هي عملية الصومال، في هذا السياق، ليس سوى “مرآة بعيدة” تسقط عليها الدولة أزماتها الداخلية.

ما يحدث اليوم ليس مجرد خلاف سياسي في واشنطن، بل علامة على انتقال أعمق: من عالم كانت فيه القوة تقاس بالقدرة على التحكم، إلى عالم تقاس فيه بالقدرة على إدارة الفوضى. ترامب لا يفقد الاتجاه تماما، لكنه يسير في متاهةٍ صنعها بنفسه. وكلما ضاقت به الدوائر، فتح نوافذ جديدة – نحو الهجرة، نحو الخارج، نحو “الآخر” – كأنها مخارج، لكنها في الحقيقة ممرات داخل نفس المتاهة.

لا يمكن فهم هذا الخطاب إلا بوصفه لغةً من لغات الإمبراطوريات حين تضعف: لغة تجمع بين الواقع والخيال، بين القرار والرمز، بين الخوف والرغبة في السيطرة. إنه خطاب لا يقول: “نحن في أزمة”، بل يقول: “العالم هو المشكلة… ونحن الحل.” لكن التاريخ – كما علّمنا ابن خلدون – لا ينخدع طويلا بالسرديات. فحين يختل التوازن بين الداخل والخارج، لا تنقذ الدولة كثرة الأعداء، بل قدرتها على مواجهة نفسها.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *