بقلم الصحافي إيمري البشير, كوبنهاكن- الدنمارك
وزير خارجية فنلندا نطق بالحق في تصريح فاجأ الجميع؛ إذ قال ما مفاده: إنّ الذي يسبّ يهوديا يُتَّهم بمعاداة السامية، والذي يسبّ امرأة يتَّهم بالتمييز الجنسي، والذي يسبّ أسود البشرة يتَّهم بالعنصرية، والذي يسبّ المثليين يتَّهم برهاب المثلية، أمّا الذي يسبّ مسلما فيدرج ذلك ضمن حرية التعبير. أليست هذه ازدواجية في المعايير ونفاقا سياسيا؟
إنّ كلام وزير الخارجية الفنلندي يزن ذهبًا، ويستحق التقدير والاحترام، لأنه يدافع عن القيم الإنسانية السامية التي ينبغي أن يتحلّى بها المشتغل بالسياسة، والتي تقتضي تجنّب التمييز في التعامل مع المواطنين، بغضّ النظر عن لونهم أو دينهم أو جنسيتهم. فالمساواة في التعامل بين المواطنين تمثّل ذروة القيم الإنسانية التي يجب أن تسود في المجتمع.
وفي خضمّ الحملة الانتخابية التي أوشكت على الانتهاء في الدنمارك ، سمعنا الكثير من الخطابات العنصرية تجاه الجاليات المسلمة. ومع ذلك، لا ينبغي التعميم؛ فبعض الذين في قلوبهم مرض يستغلّون أخطاء بعض التيارات الإسلامية المتشددة، ويعمّمون خطابهم على الجميع. إننا اليوم في الدنمارك بحاجة إلى خطاب متزن يحترم القيم المشتركة التي تجمعنا جميعًا، ويتجنّب الخطاب العنصري البغيض الذي يسيء إلى صورة مملكة الدنمارك. كما أننا، كجالية مسلمة، أمام واقع يتطلّب منّا تفادي كل سلوك يثير استياء الآخر المختلف عنا في العقيدة أو الدين، والالتزام بالقانون، وتجنّب استفزاز من يختلف معنا في اللون أو الدين.
كم نحن بحاجة إلى سياسيين من طراز وزير الخارجية الفنلندي في الدنمارك. ومع ذلك، وإنصافًا، فعندما تختار زعيمة حزب سياسي دنماركي مناسبة العيد لتهنئة المسلمين، فإنّ هذا يُعدّ خطابًا متزنًا بعيدًا عن التمييز الذي يلجأ إليه البعض لكسب أصوات الناخبين. ومادمنا في حملة انتخابية لم تنتهِ بعد، فإنّ البعض يتخذ موقفا غير مفهوم، ويعارض بشدّة المشاركة في التصويت واختيار من يدير شؤون البلاد من بين النخب السياسية المتنافسة. ومثل هذا الموقف لا ينسجم مع العيش في بلد يقوم على احترام القيم الديمقراطية بوصفها أساسا للحياة اليومية.
وإني لأعجب من سلوك حزب التحرير وممارساته في المجتمع الدنماركي؛ إذ إنّ ممارساته الخارجة عن إطار القانون تسيء حتى إلى الإسلام الذي يدعو إلى قيم سامية. ومن ثمّ، فإنّ خطاب وسلوك وزير الخارجية الفنلندي يمثّلان نموذجًا محترمًا ينبغي الاقتداء به، كما أننا ملزمون بإبراز القيم الإسلامية للآخر المختلف عنا، لإثبات أنّنا نحمل قيما مشتركة تسهم في تفادي الصراعات التي لا تخدم التسامح، بل تؤدي إلى نزاعات لا تخدم الإنسانية.
إنّ المجتمع الدنماركي في حاجة إلى سياسيين لا يزرعون الفتنة عبر خطاب معاد للإسلام أو قائم على نشر الكراهية والحقد، بل يعملون على تعزيز التضامن والتآزر، والابتعاد عن التمييز والعنصرية. إنّ من واجبنا، كجالية مسلمة، أن نتوجّه يوم غدٍ الثلاثاء إلى صناديق الاقتراع، للمشاركة في اختيار النخب السياسية التي تحافظ على وحدة المجتمع الدنماركي، وتتحاشى الإساءة إلى المسلمين، وتتبنّى خطابا قائما على الاحترام المتبادل. كما ينبغي ألّا نصغي إلى الدعوات التي ترفض المشاركة السياسية. إنّ الدفاع عن حقوقنا في المجتمع الدنماركي يتجلّى في مشاركتنا الفاعلة في العملية الديمقراطية، واختيار من يمثّلنا ويدافع عن القيم المشتركة التي تجمعنا مع المجتمع الذي نعيش فيه
📲 Partager sur WhatsApp