بقلم زكية لعروسي، باريس
في عالم أصبحنا نقاس فيه بما نكشف عنه، تبدو وزارة التربية والتعليم الفرنسية كأنها أكثر من مجرد واقعة تقنية عابرة، بل شق جديد في جدار كنا نظنه يحمي ما تبقى من خصوصيتنا. فجأة، تصبح الأسماء، العناوين، الأرقام، وحتى تفاصيل الغياب، مادة معروضة في أسواق خفية، تُباع كما تباع السلع، وتشترى كما تُشترى الأسرار. فماذا تبقى إذن منّا؟ هل ما زال هناك”داخل” و”خارج” في حياة الإنسان، أم أننا أصبحنا كائنات شفافة، تُقرأ كما تقرأ الملفات، وتفكك كما تفكك الشيفرات؟
لعل السؤال لم يعد تقنيا، بل وجوديا. لأن ما يسرق هنا ليس مجرد بيانات، بل شيء أكثر هشاشة وأعمق: الإحساس بالأمان، ذلك الشعور القديم الذي كان يجعل الإنسان يعتقد أن حياته، مهما كانت بسيطة، تظل ملكه وحده. تقول الأم خيرة، بحدسها البسيط الذي يسبق الفلاسفة أحيانا، إن العولمة “صفحات تقلب مصارنا”. عبارة تبدو عامية، لكنها تختزن رعبا حقيقيا. فالعالم الذي “طار بنا” بسرعة مذهلة، لم يأخذ معنا الوقت الكافي لنفهم إلى أين نحن ذاهبون. كأننا ركبنا قطارا بلا محطات واضحة، وكلما تسارع، سقطت منا أشياء كنا نظنها ثابتة: الخصوصية، السيطرة، وحتى المعنى.
في هذا السياق، لا يعود “الاختراق” حادثة استثنائية، بل عرضا من أعراض عصر كامل. عصر تحوّل فيه الإنسان إلى “أثر رقمي”، إلى ظل إلكتروني يسبقه إلى كل مكان. هنا، يمكن استحضار ميشال فوكو، الذي تحدث عن مجتمعات المراقبة، حيث لا يعود القيد مرئيا، بل يتحول إلى نظام غير مرئي يراقب كل شيء. لكن ما كان عند فوكو تصورا فلسفيا، أصبح اليوم واقعا يوميا، أكثر تعقيدا وأقل قابلية للفهم.
الغريب أن الخطر لم يعد يأتي فقط من “الدولة” أو “السلطة”، بل من أطراف غامضة، كيانات بلا وجوه، أسماء مستعارة مثل هيكدكس، تتحرك في الظل، تمتلك القدرة على اختراق أنظمة، وكأنها تفتح أدراج حياة كاملة بضغطة زر. من يحكم إذن؟ من يملك القوة الحقيقية؟ هل هي الدول، أم الشركات، أم هؤلاء الأشباح الرقمية؟
يبدو أن مفهوم السيادة نفسه يتآكل. لم تعد الحدود الجغرافية تحمي شيئا، ولم تعد الجدران كافية. نحن نعيش في فضاء مفتوح، بلا سقف، حيث يمكن لأي اختراق أن يعبر القارات في لحظة، ويصل إلى أدق تفاصيل حياتنا. هنا، تتحول العولمة من وعد بالانفتاح إلى نوع من الانكشاف القسري. لكن الأخطر ليس في أن بياناتنا تسرق، بل في أننا بدأنا نتعوّد على ذلك. وكأن الصدمة الأولى تآكلت، وحل محلها نوع من القبول الصامت. هل هذه هي الهزيمة الحقيقية؟ حين يصبح انتهاك الخصوصية أمرا عاديا، لا يثير سوى خبر عابر؟
يكتب حنا آرنت عن “تفاهة الشر”، ذلك الشر الذي لا يأتي دائمًا في صورة مرعبة، بل في شكل اعتيادي، يومي، يكاد لا يلاحظ. ربما نحن أمام شكل جديد من هذا الشر: شر رقمي، بارد، بلا صوت، لكنه يتسلل إلى كل زاوية من حياتنا. ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحا، بل يتكاثر: كيف نحمي أنفسنا في عالمٍ لا يمكن الانسحاب منه؟ كيف نعيد رسم حدودنا في فضاء لا يعترف بالحدود؟ هل الحل تقني، أم أخلاقي، أم سياسي؟ أم أن المشكلة أعمق من ذلك كله، مشكلة تتعلق بطريقة وجودنا نفسها في هذا العصر؟
ربما لا توجد إجابة واحدة. وربما، كما يحدث في كل التحولات الكبرى، نحن نعيش لحظة انتقال لم تتضح معالمها بعد. لكن المؤكد أن شيئا ما تغيّر جذريا: لم نعد نملك أسرارنا كما كنا نظن. يبقى فقط ذلك الإحساس الغامض، الذي يشبه القلق أكثر مما يشبه الخوف، إحساس بأن العالم الذي منحنا السرعة والاتصال والقدرة، أخذ منا في المقابل شيئا لم ننتبه لفقدانه إلا متأخرين. شيئا كان يجعلنا… نحن.
📲 Partager sur WhatsApp