بقلم زكية لعروسي، باريس
في مشهد سياسي يزداد التباسا كلما حاول أن يقنعنا بوضوحه، يطفو على السطح سؤال قديم جديد: كيف تحوّلت الأحزاب التي ولدت من رحم المعاناة الاجتماعية إلى كيانات تسبح في فخامة الخطاب، بينما يغرق المواطن في واقعه الثقيل؟ ليست القضية، في جوهرها، مسألة شيكات ضائعة أو مسترجعة، ولا مجرد تبادل اتهامات بين رفاق الأمس وخصوم اللحظة؛ بل هي مرآة تعكس اختلالا أعمق في العلاقة بين الفعل السياسي وأخلاقياته. حين يصبح التراشق بالاتهامات بديلا عن النقاش العمومي الجاد، ندرك أن الأزمة لم تعد أزمة وقائع، بل أزمة ثقة… والثقة، حين تخدش، لا ترمم ببلاغات توضيحية.
إن البلاغ الذي يسعى إلى نفي الشبهة، مهما كان محكما في لغته، يظل عاجزا عن تبديد ذلك الشعور الغامض الذي يتسلل إلى وعي المواطن: شعور بأن السياسة لم تعد تمارَس باسمه، بل تدار فوقه. هنا، يتحول الخطاب من أداة تواصل إلى جدار عازل، ومن وسيلة تفسير إلى آلية تبرير. ما يثير الانتباه ليس فقط مضمون الرد، بل السياق الذي ولد فيه: انشقاقات، تيارات تعلن خارج الأطر، وصراعات داخلية تدار بمنطق التشهير بدل النقد البنّاء. كأن الأحزاب، بدل أن تكون فضاء لتدبير الاختلاف، صارت مسرحا لإعادة إنتاجه في أكثر صوره حدّة وابتذالا.
في هذا المناخ، يفقد اليسار المغربي -الذي طالما قدّم نفسه كضمير اجتماعي- جزءا من رمزيته. ليس لأنه أخطأ، فالخطأ جزء من الفعل البشري، بل لأنه لم يعد يقنع بأنه مختلف. وحين يسقط الاختلاف، يسقط معه الأمل. وهنا تتبدّى المفارقة القاسية: كيف لخطاب ولد من الدفاع عن “المزلوط” أن يبدو اليوم بعيدا عنه، لغويًا ووجدانيا؟ لقد صار المواطن يتابع هذه الوقائع كما يتابع عرضا مألوفا: دهشة أولى، ثم فتور، ثم لا مبالاة. ذلك أن تكرار نفس السيناريو -اتهام، نفي، تهديد بالمتابعة- أفقد الأحداث طابعها الاستثنائي. إنها ليست فضيحة بقدر ما هي روتين.
أما الأخطر، فهو ذلك الانزلاق غير المعلن نحو “فخامة سياسية” فارغة: خطابات مشحونة بالمفاهيم، بيانات مصقولة بعناية، وصراعات تدار بلغة تبدو عميقة لكنها تخفي خواء في الأفق. كأن السياسة تحوّلت إلى تمرين بلاغي، لا مشروعا مجتمعيا. الأمر لا يتعلق بمن قال الحقيقة ومن أخفاها، بل بسؤال أكبر: هل ما زالت الأحزاب قادرة على إقناع الناس بأنها تمثلهم؟ أم أنها أصبحت كيانات تتحدث إلى نفسها، بلغة لا يسمعها إلا من داخلها؟ الثقة، حين تفقد، لا تعود بقرار تنظيمي، ولا ببلاغ مطمئن. إنها تبنى ببطء، عبر وضوح مؤلم أحيانا، وعبر اقتراب حقيقي من هموم الناس. دون ذلك، سيبقى المواطن واقفا على الهامش، يتأمل المشهد… ويزداد ابتعادا.
📲 Partager sur WhatsApp
إشكالية المؤسسات الحزبية هي مشكلة السردية الايديولوجية التي تحدد الرؤية و الغايات والمواقف، بحيث أمس المشهد السياسي تاءها بين تشابه الشعارات التي نسمعها و سوق لعبة الانتخابات على الأبواب، عوض أن تسمع خطابا سياسيا بالفعل.
أما بالنسبة لليسار، فمعضلته ترتبط أساسا، بترهل نخبته وشيخ هو مكتبها وإشكال الزعامة، وهي في مجملها عواءق سيكولوجية أمام كل تجاوز. وهو ما بدأ يتسرب صداه في مسرح الميديا.
وبين هذا وذاك التاءه الأكبر هو الإنسان المغربي وتمثلاته السياسي…..