المملكة المتحدة والأسطول الشبح الروسي

Navy warship cruising through the Bosphorus in Istanbul, Turkey, near Sarıyer.

بقلم زكية لعروسي, باريس

في تحوّل يعكس تصاعد الصراع بين القوى الكبرى، أعلنت حكومة المملكة المتحدة بقيادة  كير ستارمير عن توسيع صلاحيات البحرية البريطانية لاحتجاز ومصادرة السفن المرتبطة بما يعرف بالأسطول الشبح الروسي. خطوة تبدو في ظاهرها تقنية قانونية، لكنها في عمقها تعبير عن إعادة تعريف مسرح المواجهة بين الغرب وروسيا في ظل استمرار تداعيات الحرب في أوكرانيا.

منذ فرض العقوبات الغربية على موسكو عام 2022، لم تكتف روسيا بإعادة توجيه صادراتها، بل طوّرت منظومة موازية من النقل البحري تقوم على سفن قديمة، تسجيلات غامضة، وشبكات ملكية معقدة. هذا”الأسطول الشبح” ليس مجرد التفاف تقني على العقوبات، بل هو نموذج متكامل لاقتصاد الظل العالمي، حيث تتلاشى الحدود بين الشرعي وغير الشرعي. السفن، في كثير من الحالات، تعمل خارج أنظمة التتبع أو تغيّر هوياتها، ما يحوّل البحار إلى فضاءٍ ضبابي يصعب ضبطه. وهنا، لا تعود العقوبات مجرد أدوات ضغط، بل تتحول إلى لعبة قط وفأر عابرة للقارات.

ما أعلنته لندن يمثّل انتقالا نوعيا من سياسة الاحتواء إلى سياسة التدخل. فالسماح باعتراض السفن داخل المياه الإقليمية يعني أن بريطانيا لم تعد تكتفي بملاحقة قانونية أو مالية، بل باتت مستعدة لاستخدام القوة البحرية لفرض نظام العقوبات. هذا التحول يحمل ثلاث دلالات أساسية:

– تعزيز السيادة البحرية: تأكيد أن المياه الإقليمية ليست مجرد حدود جغرافية، بل فضاء سيادي يخضع لرقابة صارمة

– تصعيد محسوب: إرسال رسالة إلى موسكو بأن أدوات الالتفاف لن تبقى بلا تكلفة

– إعادة عسكرة الاقتصاد: حيث تصبح التجارة والنقل جزءًا من معادلة الردع

في هذا السياق، يتجاوز الصراع بعده العسكري ليصبح صراعا على “الرؤية”. روسيا تعتمد على الإخفاء، والتمويه، والضبابية بينما يسعى الغرب إلى الكشف، التتبع، والشفافية القسرية. إنها مواجهة بين نموذجين:

– نموذج يعمل في الظل ويستفيد من تعقيد النظام العالمي

– ونموذج يسعى لفرض نظام رقابي شامل، حتى لو استدعى ذلك توسيع أدوات القوة

رغم الطابع القانوني للقرار، فإن تطبيقه يحمل مخاطر حقيقية:

– احتكاكات بحرية مباشرة قد تتطور إلى أزمات دبلوماسية أو حتى عسكرية

– توسيع نطاق المواجهة من البر الأوكراني إلى الممرات البحرية الدولية

– تحديات قانونية تتعلق بحرية الملاحة والقانون الدولي البحري

كما أن هذه الخطوة قد تدفع روسيا إلى تطوير أساليب أكثر تعقيدا للالتفاف، ما يعني أن الصراع سيدخل مرحلة أكثر غموضا. ما يحدث اليوم ليس مجرد مواجهة حول ناقلات نفط، بل إعادة رسم لخريطة القوة في العالم. البحر -الذي كان تاريخيا فضاء للتجارة -يعود ليصبح ساحة للصراع الاستراتيجي. في هذا المشهد، القوة ليست بعدد السفن فقط، بل بالقدرة على التحكم في “المرئي والمخفي” معا. وهنا يكمن جوهر المرحلة: عالم لم تعد حدوده ترسم على الخرائط، بل في المساحات الرمادية بين القانون والواقع، بين الضوء والظل.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *