الترحال السياسي.. طعنة في خاصرة الأخلاق

بقلم الصحافي. رضوان البلدي، المغربي


كلما اقترب موعد الانتخابات، كلما ازدهرت ظاهرة الترحال السياسي، معلنة بداية موسم الهجرة نحو قلاع يعتقد أصحابها أنها آمنة وضامنة لمقعد في الجماعات الترابية أو البرلمان. عند تخوم المحطات الانتخابية الكبرى، يستبد الخوف ببعض المرشحين، فلا يجرؤون على التقدم واثقين، فيتجردون من ألوانهم المؤقتة وقناعاتهم الهشة طمعا في مصلحة شخصية على حساب مصلحة وطن. في الأيام الأخيرة، كثر الحديث عن رحيل قيادي كبير من حزب كذا إلى حزب كذا، وآخرين في رحلة معاكسة وهكذا دواليك، إلى أن تضع الانتخابات أوزارها، إنها عادة سيئة تكسر الاستقرار السياسي وتضعف الثقة في المؤسسات الحزبية والمنتخبين على حد سواء، فالترحال الانتخابي ليس مجرد تغيير للانتماء الحزبي بل هو سلوك سياسي «براغماتي» يقوم به المنتخب، غالبا في الشهور القليلة التي تسبق المحطات الانتخابية، ليصبح اللون الحزبي لا لون له وما يهم هو مصلحة المنتخب الذي قد يتحول في الغد القريب إلى خصم سياسي للحزب الذي منحه التزكية في الولاية السابقة.

 يعد البحث عن ملاذ انتخابي آمن المحرك الرئيس لهذه الظاهرة، فالمرشح في المغرب غالبا ما يبني قوته على الخزان الانتخابي الشخصي، المتمثل في القبيلة والعائلة والنفوذ المالي، وعندما يشعر المرشح أن حزبه الحالي فقد شعبيته، أو أن ماكينة الحزب التنظيمية لم تعد قادرة على دعمه، يبدأ بالبحث عن بدائل قد لا تكون بنفس المواصفات التنظيمية التي تركها وراءه لكنها تكون على العموم كافية «لتغطية» طموح شخصي بالبحث عن التزكية الثمينة. وليس هناك شك أن هذه السلوكات تعكس في بعض الحالات «انتهازية سياسية» وتفضيلا للمصالح الشخصية على الالتزام الحزبي، مما يعيق التجديد والتشبيب في المشهد السياسي ويعمق العزوف لدى الناخبين. الأخطر في هذه الظاهرة أنها تتحدى القوانين، فعلى الرغم من أن الفصل 61 من الدستور ينص على تجريد المنتخب من عضويته إذا غير انتماءه الحزبي أثناء الولاية، إلا أن ذلك لم يمنع تفاقم الظاهرة في الوسط الحزبي، وهذا الأمر تكون له تداعيات خطيرة على صورة المؤسسات المنتخبة، وخاصة البرلمان، الذي التصقت به الكثير من الصور النمطية، بسبب سلوك المرشحين، مما يجعل النصيب الأكبر من المسؤولية الأكبر يقع على عاتق الأحزاب السياسية، التي لا تبحث عن تجديد النخب بقدر ما تسعى إلى الفوز بالمقعد الانتخابي.

ولهذا السلوك الحزبي تأثير مباشر في ازدهار ظاهرة الترحال الانتخابي، فعوض أن تعمل الأحزاب على تنقيح وتوجيه النخبة البرلمانية واختيار مرشحيها وتغطية التمثيلية في الدوائر الانتخابية، نجدها تزكي مرشحين لا تتوفر لديهم الثقافة القانونية أو السياسية وغير مطلعين على مهام البرلماني بشكل واسع حتى يتم تفعيل اختصاصات المؤسسة التشريعية بشكل جيد ومضبوط وواع، بل نجد التزكيات تمنح أحيانا لغير المنتمين للحزب، فقط لأن لهم القدرة المالية لمواجهة تكاليف الحملة الانتخابية واستثمار السياسة من أجل الاقتصاد دون اعتبار للمعارف والحمولة التشريعية للبرلمان، وهذا يضعف قدرة العطاء البرلماني ويؤثر على مسار المؤسسة البرلمانية. وإذا كانت ظاهرة الترحال تسيء إلى العملية السياسية برمتها، فإنها بذلك تتنافى مع الكثير من الخطابات الملكية التي تحيل على ضرورة تجديد النخب السياسية والبحث عن نخب قادرة على أن تخلق الفارق في تدبير الشأن العام. وهنا يمكن الإشارة إلى درجة العجز الحاصل في دوران النخب داخل الأحزاب السياسية، فعلى ما يبدو أن الأحزاب الساهرة على تدبير الشأن العام ظلت وفية لنموذج معين من النخب التي تكون لها القدرة على التعبئة، وجلب الأصوات الانتخابية، في حين أن منطق تدبير الشأن العام وبلورة السياسات العمومية يقتضي التوفر على نخب تقنية، وكفاءات علمية في شتى المجالات.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “الترحال السياسي.. طعنة في خاصرة الأخلاق

  1. ما الدلالة الرمزية للخطاب الذي يعتبر الديموقراطية مجرد لعبة بالسياسة وفي الحقل السياسي؟
    تتجلى صورة الجواب لما نتابع مستوى اللغة والخطاب الذي تدار به تدخلات سيرك البرلمان. من يمثل من؟ ومن يمثل على من؟ وما معنى أن النهاية تنتهي، بالقوة، إلى تحالفات بدون برامج؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *