ترامب: رجل يريد أن يملأ الأرض بظله

 

بقلم زكية لعروسي، باريس

في مشهد يبدو مستخرجا من أساطير الفراعنة أو أباطرة روما، يضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اسمه على كل شيء: من بيلات الدولار إلى أجنحة البيت الأبيض، ومن المطارات إلى البوارج الحربية. إنها ظاهرة تتجاوز مجرد النرجسية السياسية إلى ما يمكن تسميته بـ”هوس التحول إلى مكان”… رغبة عميقة في تحويل الذات إلى جغرافية دائمة، وإعادة تشكيل العالم الخارجي ليكون مرآة تعكس الأنا. يقول المحلل النفسي كارل يونغ إن عقدة العظمة ليست مجرد غرور عابر، بل هي تعويض عن شعور عميق بالفراغ الداخلي. عندما يحاول الإنسان أن يكتب اسمه على الأماكن والمؤسسات والعملات، فهو في الحقيقة يحاول أن يكتب نفسه في الوجود، كأنه يصرخ: “أنا موجود، لا تمحوني”.

ترامب، الذي بدأ حياته ببرج يحمل اسمه في نيويورك، لم يكتفِ بالعقارات الخاصة. اليوم، باسمه تُصك العملة، وتُفتح المطارات، ويُعاد تسمية المراكز الثقافية. إنه مشروع تحويل الاسم الشخصي إلى “علامة مكانية” جامعة، كما كان يفعل نبوخذ نصر في بابل عندما كان يكتب اسمه على كل طابوقة، أو رمسيس الثاني عندما كان ينحت صوره على كل معبد. في التاريخ: عندما امتلك العظماء جنون الخلود

نبوخذ نصر الثاني (بابل، القرن السادس قبل الميلاد) –

الملك البابلي الذي أعاد بناء بابل وجعلها أعجوبة العالم القديم، لم يكتف بذلك. على أكثر من 15 ألف طابوقة من طوب بابل، نقش اسمه. أراد أن يقول: “حتى الطين يحمل اسمي”. كان يرى في المدينة امتدادا لذاته، تماما كما يرى ترامب في المطارات والطرقات امتدادا لشخصه.

رمسيس الثاني (مصر، القرن الثالث عشر قبل الميلاد) –

فرعون مصر الذي حكم ستة عقود، لم يترك معبداً أو مسلة أو تمثالاً إلا وضع اسمه عليه. حتى معابد غيره من الفراعنة، كان يمحو أسماءهم ويكتب اسمه مكانها. أراد أن يتحول إلى “مكان”، فجعل من مصر كلها عاصمة لاسمه. علماء المصريات يطلقون عليه اليوم “رمسيس الكبير”، لكن أقرانه كانوا يسمونه “الذي يملأ الأرض باسمه”.

كاليغولا (روما، القرن الأول الميلادي) -الإمبراطور الروماني الذي أمر بنقل تماثيل الآلهة من المعابد ووضع رأسه مكانها، وأعلن نفسه إلها حيا. أراد أن يكون هو المعبد، هو المكان المقدس. جنون العظمة لديه بلغ حد جعل حصانه عضوا في مجلس الشيوخ – كأنه يقول: “أنا أستطيع أن أسمي ما أشاء، حتى الحيوان يصبح قيصرا”

لويس الرابع عشر (فرنسا، القرن السابع عشر) – 

ملك الشمس الذي قال “الدولة أنا”. حوّل قصر فرساي من مجرد مقر صيد إلى عاصمة للثقافة والسياسة، وجعل كل شيء فيه يدور حول شخصه. مراسم الاستيقاظ والنوم، طقوس الطعام، كلها كانت عبادة يومية للذات. فرساي لم يكن مجرد قصر، بل كان “مكان لويس”.

– موسوليني (إيطاليا، القرن العشرين)

الذي أمر بمحو اسم القرن من روما القديمة وكتابة اسمه مكانه، وأقام تماثيله في كل ساحة، وأعاد تسمية الشوارع والميادين باسم “إيلي”. كان يريد أن يتحول الاسم إلى جغرافية، والإنسان إلى مكان.

الأسطورة: بروميثيوس ونرجس وإيكاروس – 

في الأساطير اليونانية، هناك ثلاث شخصيات تلخص مصير من يحاول أن يصبح أكثر من إنسان:

بروميثيوس الذي سرق النار من الآلهة ليعطيها للبشر، فعوقب بأن ظل مقيدا إلى صخرة للأبد. هو أول من “تحول إلى مكان”- عقابا له. صار هو الجبل، والجبل هو العذاب.

– نرجس الذي أحب انعكاس صورته حتى صار زهرة. أراد أن يكون هو الجميل، فصار مكانا تنبت منه الزهور. العظمة التي لا ترى سوى نفسها تتحول في النهاية إلى جماد.

– إيكاروس الذي طار قريبا من الشمس، فذابت جناحاه وسقط في البحر. اسمه صار رمزا للطموح الذي يحرق صاحبه

ترامب، في تحليقه فوق الأرض الأمريكية، يعيد إنتاج هذه الأساطير: يكتب اسمه على كل شيء، يريد أن يصل إلى الشمس (البيلات الذهبية، الأقواس المنتصرة)، لكن السؤال: هل سينتهي مثل بروميثيوس مقيدا إلى صخرة اسمه؟ أم مثل نرجس يتحول إلى زهرة على طريق في فلوريدا؟ ما يميز حالة ترامب عن غيره من “المعظمين” عبر التاريخ هو أنه لا يملك فقط أبراجا وفنادق، بل يملك سلطة الدولة. عندما يكتب الرئيس الأمريكي اسمه على مطار، أو على فئة بحرية، أو على بيلات الدولار، فهو لا يفعل ذلك بصفته رجل أعمال، بل بصفته “الدولة نفسها”. في هذا الفارق يكمن الخطر. الفرعون كان الدولة. القيصر كان روما. الملك كان فرنسا. لكن في الديمقراطيات الحديثة، يفترض أن الدولة أكبر من أي رئيس. عندما يصبح الرئيس هو المكان، يختفي الفرق بين المصلحة العامة والأنا الخاصة. الأستاذ فريديريك جيرو، في تحليله الذي أشارت إليه المقالة، يستخدم كلمة “أوتوقراطي” – أي الحاكم الذي يريد أن يكون هو السلطة المطلقة. وعندما يتحول الأوتوقراطي إلى “مكان”، تصبح المعارضة لمشاريعه العمرانية معارضة له شخصياً

أغرب ما في مسيرة ترامب هو مشروعه لبناء “قوس النصر الأمريكي” الذي أسماه “قوس الاستقلال”. في باريس، بنى نابليون قوس النصر تخليداً لانتصاراته العسكرية. في روما، شيَّد الأباطرة الأقواس تكريما لفتوحاتهم. أما ترامب فيبني قوسه لنفسه، في واشنطن، وكأنه يريد أن يقول: “أنا انتصار نفسي”. هذا المشروع تحديدا هو الأكثر دلالة على “جنون التحول إلى مكان”. القوس في الثقافة الإنسانية هو بوابة العبور إلى المجد. ترامب لا يريد فقط أن يخلد، بل يريد أن يكون هو بوابة الخلود ذاته. يقول نعوم تشومسكي إن “أخطر أنواع السلطة هي التي تعتقد أنها تمتلك الحقيقة المطلقة”. عندما يحكم شخص بهذه العقلية، يصبح كل شيء في خدمته: الجغرافيا، التاريخ، حتى العملة. وفي الثقافة العربية، ثمة أمثال تحذر من هذا الجنون:

– “من حفر لأخيه بئرا وقع فيه” – ربما التحول إلى مكان يجعل المرء أيضاً سجين ذلك المكان.

– “اللي يوسع حيلته يضيق عليه بلعومه” – العظمة المفرطة قد تنقلب إلى ضيق.

– “كل إناء بما فيه ينضح”, لكن ماذا لو أراد الإناء أن يصبح هو المحتوى والمكان معا؟

عندما يقرأ المرء قصة ترامب التي ترويها “20 Minutes” – من بيلات الدولار إلى أجنحة البيت الأبيض، من مطار فلوريدا إلى البوارج الحربية – لا يستطيع إلا أن يتذكر كلمات الشاعر الإنجليزي شيلي في قصيدته “أوزيماندياس”: “أنا أوزيماندياس، ملك الملوك، انظروا إلى أعمالي أيها العظماء واقتنوا اليأس!” لكن حول التمثال، لم يبق سوى الرمال المترامية، الصامتة، الخاوية. ربما هذا هو مصير كل من يريد أن يتحول إلى مكان: يتحول في النهاية إلى خرابة، لكن الخرابة تبقى تحمل اسمه. السؤال الفلسفي الحقيقي: هل يستحق أن يكون اسمك على كل شيء إذا لم يبق منك سوى الاسم؟

أما ترامب، فيبدو أنه يريد أن يجيب: “نعم، الاسم يكفي”. لكن التاريخ، كما نعلم، لا يحكمه أصحاب الأسماء الكبيرة، بل أولئك الذين يتركون بصمة في القلوب قبل الجغرافيا. ربما أكثر ما يثير الدهشة في هذه القصة هو أن رجلاً واحداً، في زمن يدعي العقلانية والعلم، لا يزال يعتقد أن كتابة اسمه على مطار أو على ورقة نقدية كفيل بخلوده. وكأنه لم يسمع أن الفراعنة، الذين بنوا أضخم تماثيل في التاريخ، لم يبق منهم اليوم سوى المومياوات في المتاحف، أما أسماؤهم فلا يعرفها إلا المتخصصون. الخلود ليس في أن تصبح مكانا، بل في أن تجعل المكان أفضل مما كان.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *