بقلم زكية لعروسي، باريس
في مشهد يعيد خلط أوراق الصراع الإقليمي، يخرج المتمردون الحوثيون في اليمن ليلقوا بتصريحات نارية، متوعدين بالانضمام إلى الحرب بشكل مباشر إذا ما طالت الهجمات إيران، أو توسعت التحالفات ضدها، أو استخدمت البحر الأحمر منصة لعمليات عسكرية. لكن السخرية التي تحملها هذه التهديدات لا تخفى على أحد، فمن يريد اليوم أن يتحدث عن “الدفاع عن المسلمين” أو “الوقوف في وجه العدوان” هو من جعل من اليمن- أقدم الحضارات العربية وأغناها تاريخا – ساحة للدمار والشتات.
فالمشهد اليمني الذي يمر بلحظة تاريخية دقيقة، يشهد على ما فعلته جماعة الحوثي منذ انقلابها على مؤسسات الدولة، إذ حوّلت البلاد من مركز للحضارة العربية إلى متحف مفتوح للخراب. لقد تسببت هذه الجماعة في تدمير ما بنته قرون من تاريخ، حيث تعرضت صنعاء القديمة، تلك الجوهرة المعمارية والإنسانية، لقصف همجي، كما حولت الموانئ إلى ساحات للابتزاز، وجعلت من الشعب اليمني رهينة لمشروع لا وطني ولا أخلاقي، بل هو مشروع تابع لإيران بامتياز.

هنا، لا بد من استحضار السياق التاريخي والفكري الذي تنطلق منه جماعات مثل الحوثي، ذلك السياق الذي سبق أن تناوله كبار المؤرخين والمفكرين في تحذيراتهم من خطورة توظيف الشعار الديني لتمرير مشاريع توسعية. فالكثير من الدراسات التاريخية تشير إلى أن بعض الجماعات التي ترفع راية “آل البيت” أو “الولاية”، غالبًا ما تستخدم الدين غطاء للهيمنة، كما حذر مؤرخون من أن “الشيعة السياسية” قد تتحول إلى أداة اختراق في الدول العربية إذا ما أُلبست بثوب القداسة والولاء المطلق لمرجعيات خارج الحدود.
ما يحدث اليوم ليس جديدا؛ فالحوثيون يقدمون أنفسهم كحركة مقاومة، لكنهم في اليمن أثبتوا أنهم حركة تدمير، وأن خطابهم عن القدس وغزة لا يعدو كونه شعارات براقة يخفي خلفها مشروع طائفي ضيق، وسلاحا بيد الحرس الثوري الإيراني لابتزاز المنطقة. إن تهديدهم اليوم بالتدخل العسكري “نصرة لإيران” ليس إلا اعترافًا صريحًا بأنهم كانوا دومًا مجرد ذراعٍ لفارسية تمتد في العمق العربي.
لقد آن الأوان لأن يقال إن اليمن الذي تحدث عنه العرب بوصفه “اليمن السعيد”، لم يعد سعيدا إلا بذكراه، بعد أن سرق الحوثيون منه هويته العربية والإنسانية. وإن كان هؤلاء يلوحون اليوم بالانضمام إلى حروب الآخرين، فإن شعب اليمن وشعوب المنطقة يتذكرون جيدا أن “التدخل العسكري” الذي يتوعدون به ليس سوى استمرار لنهج دمّر بلدا بكامله، وجعل من أعرق الحضارات العربية مجرد أطلال. فهل يعقل أن يدعي من دمروا عاصمة الثقافة العربية من يريدون حماية المسلمين؟ أم أن الأمر مجرد مسرحية جديدة في مسرح العبث الإيراني؟
📲 Partager sur WhatsApp