قضية إبستين: هل الجنس هدف أم أداة؟

بقلم زكية لعروسي، باريس

في مشهد يتكرر بنبرة مأساوية مملة، تقف خمس عشرة امرأة، هن نماذج سابقات، أمام أبواب العدالة الفرنسية، حاملات ليس فقط جراحهن الفردية، بل ملفا يتجاوز جسد كل منهن ليُصبح بحثاً في هندسة منظومة متكاملة من الاستغلال. إن طلبهن بالتحقيق مع جيرالد ماري، المدير الأسبق لوكالة “إيليت” العريقة، ليس مجرد خطوة قانونية، بل هو كشف للستار عن “الرجل” بوصفه مشروعا اجتماعيا وسياسيا، حيث تتحول السلطة إلى جسد نافذ، والجسد الأنثوي إلى أرضية خصبة لإعادة إنتاجها.

هذه القضية، التي تربط بين أسماء لامعة في عالم المال والموضة مثل جيفري إبستين وجان لوك برونيل (المنتحر في زنزانته)، تقدم لنا فرصة نادرة لتفكيك ما يُسمى بـ “طبيعة الرجال”؛ فكرة لا تستند إلى بيولوجيا ثابتة بقدر ما تستند إلى ثقافة إفلات من العقاب مُبرمجة بعناية. عندما تطالب النماذج الخمس عشرة بالتحقيق في “طبيعة العلاقة” بين جيرالد ماري وجيفري إبستين، فإنهن يوجهن اتهاما ليس لفاعل واحد، بل لشبكة متكاملة. المشكلة ليست في وجود “رجل شرير” هنا أو هناك، بل في تكوين نسيج اجتماعي يمتد من وكالات عرض الأزياء في ميلانو وباريس، إلى جزر الكاريبي الخاصة، مروراً بمكاتب المحاماة وصناديق التحوط.

هؤلاء الرجال لم يكونوا يعملون في فراغ؛ لقد شكّلوا “ناديًا” حيث كانت الفتيات الصغيرات، الطامحات في عالم الموضة، بمثابة العملة المشتركة. جيرالد ماري، الذي اتُهم بالاعتداء الجنسي في التسعينيات وظل فوق القانون لعقود، هو تجسيد حي لهذه المنظومة. إن الإفلات الطويل من العقاب هو ما يصنع “الطبيعة الذكورية” المتوحشة؛ فحين لا توجد عواقب، تتحول الانحرافات إلى حقوق مكتسبة، ويصبح جسد المرأة “غنيمة حرب” مشروعة في صراعات النخبة.

في السرديات السائدة، غالبا ما يتم اختزال هذه الجرائم في إطار “شهوة جنسية لا تقهر”. لكن النظر إلى حجم المنظومة التي يديرها إبستين وشركاؤه (من برونيل إلى ماري) يكشف عن حقيقة أكثر قسوة: الجنس هنا لم يكن هدفا بقدر ما كان أداة للسيطرة والابتزاز وترسيخ النفوذ. هذا هو التساؤل الجريء الذي تطرحه هذه القضية: هل كان هؤلاء الرجال “مدمني جنس” أم “مستثمرين في رأس المال البشري” بطريقة إجرامية؟ عندما يصبح الاغتصاب أسلوبا لإخضاع الضحايا، وتحويلهن إلى “شهود صامتين” على فساد الأثرياء، فإن الفعل الجنسي يفقد صفته البيولوجية ليصبح أداة سياسية بحتة. إنه إعلان عن الملكية: “يمكنني فعل ما أريد بجسدك، وبالتالي يمكنني فعل ما أريد في العالم”.

ما يلفت النظر في هذه القضية هو تحول جذري في الخطاب. النماذج، اللاتي كن في السابق يُعتبرن “أشياء” للعرض، أدوات لترويج الجمال الاستهلاكي، يظهرن اليوم كـ “شاهدات خبيرات” على بنية الفساد ذاتها التي أوجدتهن. هؤلاء النساء، بجنسياتهن المتعددة (بريطانيات، أمريكيات، سويديات)، يشكلن جبهة ما بعد وطنية تكسر حاجز الخوف الجغرافي. إن احتجاجهن بأن “جميعنا باستثناء واحدة تعرضنا للاغتصاب أو الاعتداء على الأراضي الفرنسية” هو  بمثابة وضع خريطة دقيقة للجريمة المنظمة عبر الحدود.

هن لا يطلبن فقط العدالة لجروحهن، بل يقدمن أنفسهن كـ “خبيرات” في قراءة علاقات القوى. وعندما تقول إحداهن إنهن يمتلكن “رسائل بريد إلكتروني ووثائق قضائية” تثبت التعاون بين ماري وإبستين، فهي تنتقل من موقع الضحية إلى موقع المحقق، معيدات تعريف “طبيعة الرجال” من كونها قوة غامضة إلى كونها شبكة قابلة للتفكيك بالوثائق والأدلة. الانتحار المريب لجان لوك برونيل في زنزانته عام 2022، والتصنيف السابق لقضية جيرالد ماري بسبب “التقادم”، هما وجهان لعملة واحدة: كيف تصبح قوانين الرجال (التي تضع فترات تقادم) درعاً يحمي “طبيعتهم” المزعومة.

في الثقافة الأبوية، صُممت القوانين غالباً بشكل ضمني لحماية “أخطاء الشباب” أو “عثرات النخبة”. إن التقادم الذي يحمي ماري اليوم ليس مجرد ثغرة قانونية؛ بل هو فلسفة تقول: “إن أخطاء الرجال في السلطة هي مجرد هفوات عابرة، بينما آلام النساء هي مجرد ذكريات يجب أن تنسى بمرور الوقت.” لكن إصرار هؤلاء النساء، من خلال تقديم استئناف (pourvoi) وإصرارهن على الربط بين قضية إبستين وقضية ماري، هو بمثابة إعلان حرب على هذا المفهوم. إنهن يقلبن الطاولة: إذا كان القانون يحمي الرجال بالتقادم، فسنستخدم القانون نفسه لربطهم بجريمة كبرى (إبستين) لا تسقط بالتقادم، لأنها تتعلق بالاتجار بالبشر.

تفتح القضية نافذة على عالم الموضة، ذلك العالم الذي يقدس الجسد الأنثوي لكنه يديره رجال. السؤال الذي يطرحه هذا الملف بقوة: هل كانت وكالات الأزياء مجرد غطاء قانوني لتجارة جنس النخبة؟ إن ذكر وكالات مثل “MC2” و أو موديل ماناجمينا “E Model Management” في وثائق إبستين، والتحقيق المالي المفتوح في باريس، يشير إلى أن هناك بنية تحتية اقتصادية كاملة كانت تدعم هذه “الطبيعة الذكورية”. لم يكن الأمر مجرد رجال أغنياء يستغلون فتيات؛ بل كان نظاماً اقتصادياً حيث كانت قيمة الفتاة تقاس بقدرتها على جذب أغنى العملاء، وتحويل جسدها إلى وسيط للصفقات بين رجال الأعمال.

ما تفعله هذه النساء الخمس عشرة اليوم هو عمل فلسفي قبل أن يكون قانونيا. إنهن يقدمن تعريفا جديدا لـ “طبيعة الرجال” لا يقوم على الغريزة، بل على البنية. الرجال في هذه القضية ليسوا “وحوشا” أسطوريين، بل هم نتاج منظومة صنعت منهم آلهة صغار، منحتهم الحق في أن يفعلوا ما يشاءون دون خوف من المساءلة، حتى تحولت شهواتهم إلى إمبراطوريات، وتحولت ضحاياهم إلى أرقام في دفاتر حسابات. طلب هؤلاء النساء من المدعية العامة في باريس هو محاولة لنسف هذه البنية. إنهن يقلن بصوت عال: “لم تعد طبيعتكم سرا مقدسا. لقد أصبحت ملفا للتحقيق.” فإذا كانت “طبيعة الرجال” هي ما تظهر به هذه القضية من وحشية منظمة، فإن إصرار النساء على كشف هذه الطبيعة، وتعقبها بالوثائق، والمثابرة رغم التقادم، هو تأكيد على أن هذه “الطبيعة” ليست أبدية، بل هي قابلة للتغيير عندما يسقط جدار الإفلات من العقاب. هذا هو الأمل الحقيقي الذي تحمله ليزا برينكورث ورفيقاتها في طريقهن إلى قصر العدل الباريسي.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “قضية إبستين: هل الجنس هدف أم أداة؟

  1. الجنس، السياسة، الدين، ثلاث قارات طابو، على الرغم من أنهم، هم ما يشكل إسمنت علاقات القوى في اي سياسة للجسد. كان ذلك منذ أقدم العصور. آخر صورة طرقت إشكالية النظرة الجنسية للجسد، كان مع خطاب الحريم في دهاليز كثير مما عرف بالمجالس.
    غير أن طرق موضوع الجنسانية مع فوكو في تاريخ الجنس، خلص إلى كل مجتمع يضع لنفسه سياسة لتدبير سؤال الجسد ومطالبه، فكانت أنظمة التربية والتعذيب ” بهيمية” الإنسان.
    غير أن سياسة تدبير الجنس كانت دائما فاشلة في تطويق اللاشعور الذي يتكلم لغة الغريزة أساسا. وعالم مؤسسات الموضة تدور كلها على صناعة تمثل تشييءي للجسد أيا كان النوع. ولكن لما تدار سياسة الجسد الأنثوي من طرف الأنثى؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *