بقلم زكية لعروسي, باريس
ليس غريبا أن نشم رائحة البارود في أوقات الحروب، لكن المؤلم أن نشم رائحة الحرق في دور العبادة في زعم السلم. ففي صبيحة يوم 13 مارس 2026، استيقظت مدينة روتردام الهولندية على جريمة إرهابية بشعة، حين أقدم أربعة أشخاص على إضرام النار وإحداث انفجار أمام كنيس يهودي في ساحة “إيه بي إن دافيدسبلين”، في مشهد أعاد إلى الأذهان كابوس الماضي الذي اعتقدنا أن أوروبا تجاوزته.
هذا العمل الإجرامي لم يكن مجرد حادثة تخريب عابرة، بل هو حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الكراهية التي تغذيها الحروب والأزمات. فالحرب، أينما كانت، ليست مجرد صراع على الأرض أو الموارد؛ إنها وباء سريع الانتشار، ينتقل عبر الحدود كالفيروس، يحمل معه سموم التعصب والانتقام، ويجد ضالته في استهداف الأبرياء داخل دور عبادتهم، حيث يفترض أن تكون ملاذا للسلام.
لقد أثبت التاريخ أن العداء لا يتوقف عند حدود ساحة المعركة. فما يحدث اليوم في الشرق الأوسط من صراعات دامية، سرعان ما ينعكس انعكاسا مأساويا على الجاليات والمقدسات في الغرب. الكنيس الذي تعرض للهجوم في روتردام ليس طرفا في أي نزاع، بل هو مكان يجتمع فيه مؤمنون لأداء طقوسهم الدينية في سلام. استهدافه هو استهداف لنسيج المجتمع الهولندي بأسره، وهو دليل صارخ على أن الإرهاب لا دين له ولا ضمير.

إننا إذ نندد بهذا العمل الإرهابي الجبان، فإننا نؤكد أن هذه الأفعال لا تخدم أي قضية عادلة، بل تخدم فقط أجندة الظلاميين الذين يريدون إذكاء نار الفتنة بين الشعوب. فالماضي يشهد، كما يشهد الحاضر، أن من يحرق كنيسا اليوم سيهدد مسجدا غدا، ولن يسلم بعدها كنيسة. إن الإرهاب يستغل أوقات الحروب ليضرب الوحدة الوطنية في المجتمعات الأوروبية، محاولا جرها إلى مستنقع الصراع الذي لا ينتهي.
إن اعتقال الشرطة الهولندية لأربعة أشخاص في هذا الحادث هو خطوة ضرورية، لكن الأهم هو مواجهة الفكر الذي يقف وراء هذه الجرائم. نحن اليوم بحاجة ماسة إلى وعي جمعي يفضح محاولات تصدير الصراعات إلى أوروبا، وإلى خطاب إعلامي وسياسي موحد يجرم استهداف المقدسات أيا كانت، ويؤكد أن الحرب على الإرهاب الفكري لا تقل أهمية عن الحرب على الإرهاب المسلح.
نقف مع الجالية اليهودية في روتردام ومع كل هولندي شريف يشعر بالصدمة من هذا العمل الإجرامي. إن محاولة إشعال النار في مكان للعبادة هي محاولة لحرق المستقبل المشترك الذي نطمح إليه. فلنقل بصوت عال: لا للإرهاب، لا لاستغلال الحروب لتدمير سلمنا الداخلي. فمهما اشتعلت نيران التعصب، سيبقى الأمل في عيون المحبين للسلام أقوى من أي حريق.
📲 Partager sur WhatsApp