بقلم زكية لعروسي، باريس
ليس كل من يتولّى منصبا يحدث فرقا. وليس كل من يرتقي سُلما إداريّا يغيّر مسار الأشياء. فثمّة رجال تمرّ بهم الأيام مرور الغرباء، لا يترك خلفهم غير ظلّ باهت، وصور في أرشيف لا يفتحه أحد. لكن ثمّة رجالا آخرين، نادرين، تحفر أسماؤها في الذاكرة كما تحفر الأنهار مجاريها في الصخر، لا عنفا، بل بإصرار الماء الذي يعرف أن الزمن في صفه. والدكتور ياسين زغلول من هؤلاء. في جامعة محمد الأول بوجدة، ليس الرجل رئيسا بالمعنى الإداري الجاف للمصطلح. إنه أشبه بفيلسوف يحرس معبدا، أو بشاعر كبير أُوكلت إليه مهمة تحويل حجرات الدراسة إلى فضاءات للدهشة. هناك، في تلك الجامعة التي تقف على تخوم الشرق المغربي كحارس للحدود وللعلم معا، استطاع زغلول أن يخلق ما يشبه مدرسة روحية في العلم، حيث لا تنفصل المعرفة عن الأخلاق، ولا يرتفع البناء الأكاديمي إلا على أسس من النبل والوفاء.

إننا بحضرة إسم تجاوز حدود التشريف، ودخل في مقام التكريم والاقتداء، يقف اسم ياسين زغلول ككوكب لا يكتفي بأن يضيء سماء العلم، بل يسكب على الأرواح شيئا من سحر قديم، كأنّه امتداد لحكماء جمعوا بين نور المعرفة ونبل الرسالة. إنه ليس مجرد رئيس إداري، بل أشبه بحارس لهيكل مقدّس، حيث يتعانق الفكر مع الأحلام والمسؤولية، وتتحوّل القاعات إلى مرايا تعكس وجوه المستقبل.
ثم جاء المؤتمر الثاني للأركيولوجيا, ولم يكن مجرد حدث علمي، بل كان امتحانا للرؤية التي آمن بها طوال مسيرته. كيف يمكن للعلم أن يكون جسرا لا حاجزا؟ كيف يمكن للحفريات أن تكون لقاء بين الحضارات لا ساحة صراع عليها؟ كيف يمكن لماض مشترك أن يؤسس لمستقبل يليق بمن يحملون الذاكرة البشرية في صدورهم؟ وعد زغلول. وكان وعده ثقيلا بجماله، ثقيلا بمعناه. ثم أوفى. لكن وفاءه لم يكن ذلك النوع التقليدي الذي يحصى في سجلات الإنجاز، بل كان فائضا من الكرم الإنساني، وجزيل العطاء الفكري، واحتفاء بالآخر كأنه قادم من رحم الوطن ذاته. حين حضر بنفسه لاستقبال العلماء القادمين من تخوم أوروبا، لم يكن يؤدي دورا بروتوكوليا، بل كان يمارس نوعا من الطقوس القديمة التي يستقبل فيها الحكماء ضيوفهم، لا كغرباء، بل كأرواح طالما انتظرت هذا اللقاء. وإلى جانبه، كانت عالمة الآثار الكبيرة نزهة بودهو. إنها تلك النوعية النادرة من العلماء الذين يقرأون طبقات الأرض كما يقرأ الشعر، أو كما تتلى الأناشيد المقدسة. معا، شكّل زغلول وبودهو ثنائيا استثنائيا، حيث صار العلم احتفالا بالجمال، وصارت المعرفة فنا في الإصغاء لما لا تنطق به الحجارة
.

كان الاستقبال هناك حفاوة لا تقاس بالمعايير الدبلوماسية، بل تقاس بذلك الشيء الذي يرتسم في العيون حين يلتقي العقل بالعقل، والقلب بالقلب. دهشة الحاضرين تحوّلت إلى حوارات، والحوارات إلى مشاريع، والمشاريع إلى جسور تمتد من فرنسا إلى سائر أوروبا، عائدة إلى هذا الصرح المغربي الكبير، كأنها تكتشف فيه ما لم تكن تعرفه من قبل: أن العلم لا وطن له، لكن العلماء لهم أوطان، وأن هذه الأوطان تصير أكثر إشراقا حين يمسك بها رجال بحجم زغلول.
فأيّ رجل هذا؟ إنه ذلك المزيج العجيب الذي نادرا ما يجتمع: صرامة العالم الذي لا يقبل الاجتهادات الهزيلة، ورهافة الشاعر الذي يعرف أن الحقيقة لا تروى فقط، بل تحسّ. يجمع بين إرادة المنْجز الذي يبني ولا يبالي بمن يهدم، وبين تواضع الحكيم الذي يعلم أن كل بناء مهما عظم هو حلقة في سلسلة لا تبدأ به ولا تنتهي عنده. وهو يحمل الوطن في قلبه لا كشعار يرفع في المناسبات، بل كنبض يومي، كصلاة سرية لا تنقطع. إن غيرته على المغرب ليست خطابا، بل هي فعل يتجلى في كل قرار، وفي كل استقبال، وفي كل باب يفتحه للعلماء والباحثين من كل حدب وصوب. وكفاءته لا تتزين بالضجيج الإعلامي، بل تتجلى في ذلك الصمت العميق الذي يصاحب الأعمال الكبرى.

هكذا يكون رجال الدولة…وهكذا يكون رجال العلم…وهكذا تكتب المعرفة، لا بالحبر، بل بالفعل الذي يترك أثره في الزمن. ففي زمن يبحث فيه كثيرون عن النماذج، نقف أمام ياسين زغلول لندرك أن الرجال لا يصنعون بالمناصب، بل المناصب هي التي تكتسب قيمتها حين يسكنها أمثاله. إنه من أولئك الذين تجبّ العقول أمامهم، لا خضوعا، بل خشوعا لمن يجعلون من العلم رسالة ومن الكرم منهجا.
وهنا، من باريس، ومن ذاكرة الهجرة التي تعرف معنى الانتماء المزدوج، يتشكل صوت الامتنان. ليس امتنانا لشخص فقط، بل لروح تمثلنا نحن أبناء وبنات المهاجرين، الذين وجدنا في استقباله واحتضانه رمزا خفيا، كأن الوطن مدّ ذراعيه عبره ليقول لنا: أنتم جزء من هذا المشهد، أنتم في القلب حيثما كنتم… فشكرا لك، يا من جعلت العلم كرما لا سورا، وجعلت الكرم موقفا لا كلاما، وجعلت الموقف رسالة تمضي إلى حيث لا تصل الخطب. هكذا يكون رجال نتوخى أن نراهم في الدولة على رأس وزارات كتلك التي تتكلف بالتعليم العالي والبحث العلمي، والثقافة.. رجل وعى أن المسؤولية تكليف. وهكذا يكون التشريف لا بالحبر .الذي يبهت، بل بالأثر الذي لا يمحى. فليحفظك الزمن لجامعة مغربنا الشرقي، أيها النادر في زمن الندرة


التاريخ وشموخ الأمكنة يؤسسهما رجال من الندرة. ومن الأشياء النادرة الدرر المضيئة لطريق البحث العلمي والمعرفي، وفق قول الشاعر: إن ما يبقى أثرا – حدثا، يشيده كل من في قلبه ذرة شعر. لذا يترجم هذا النوع من تربة الرجال، قيم التأسيس والتشؤيد لكل ما هو جليل ، لتتنفسه أرض الوطن كالأثير الملهم للأجيال…..وكما نقول: “الله إكثر من أمثاله” ، في هذا الزمن الضنين.