كيف تعلّمت الجماليات أن تخاف

بقلم زكية لعروسي, باريس

ليست الحرب وحدها من تعبر السماء، بل القلق أيضا.في أبوظبي، تحت قبة بيضاء تشبه حلما هندسيا معلّقا بين الضوء والماء، يقف متحف اللوفر أبوظبي كاستعارة معمارية لعالمٍ أراد أن يؤمن بأن الجمال يمكن أن ينقذ الإنسان من نفسه. لكن، في زمن الصواريخ، حتى الاستعارات تفقد براءتها. هنا، حيث تُعرض أعمال جاءت من متحف اللوفر، لا بوصفها قطعا فنية فحسب، بل كسفراء لذاكرة إنسانية مشتركة، يتسلل سؤال غير معلن: هل يمكن للجمال أن يكون هدفا؟

ميدانيا، تبدو الصورة متوترة وإن كانت صامتة. تنسيق دبلوماسي بين باريس وأبوظبي، مراقبة دقيقة، حسابات أمنية تتجاوز البروتوكول الثقافي إلى منطق الطوارئ. الأعمال الفنية، التي سافرت يوما عبر البحار لتعرض، تجد نفسها اليوم في قلب معادلة عسكرية لا علاقة لها بها. ومع ذلك، تهددها. اللوحات لا تعرف الحروب, لكن الحروب تعرف طريقها إلى اللوحات. في الشرق الأوسط، لم تعد الضربات العسكرية مجرد أحداث ميدانية، بل أصبحت ظلالا تمتد إلى ما هو أبعد من أهدافها المباشرة. حين تستهدف منشآت قريبة من الفضاءات الثقافية، لا يكون الخطر ماديا فقط، بل رمزيا أيضا: كأن الحرب تقول للفن -أنت لست خارج اللعبة. لكن، ماذا يعني أن تهدَّد لوحة؟ هل يمكن للصاروخ أن يصيب فكرة؟ هل يمكن للانفجار أن يمحو ذاكرة؟

فلسفيا، يبدو المشهد أقرب إلى مأساة وجودية: الفن، الذي وجد ليقاوم الفناء، يجد نفسه فجأة عرضة له. اللوحة، التي صمدت قرونا أمام الزمن، قد تهتز الآن أمام لحظة عابرة من العنف. إننا أمام انقلاب في ترتيب الأشياء: ما كان ثابتا أصبح هشا وما كان عابرا -كالصاروخ- صار قادرا على تقرير مصير ما هو خالد. في هذا السياق، لا تبدو مسألة حماية الأعمال الفنية مجرد إجراء تقني، بل محاولة لإنقاذ معنى. لأن كل عمل فني هو، في جوهره، شكل من أشكال الذاكرة المتجسدة. وحين تهدَّد الذاكرة، يهدَّد الإنسان في أعمق ما فيه. لكن الحرب لا تكتفي بالتهديد. إنها تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والجمال. في زمن الحرب، يصبح الفن إما رفاهية مؤجلة، أو ضحية صامتة، أو -في حالات نادرة- مقاومة. غير أن الأخطر هو حين يتحول إلى شيء ثالث: إلى عبء يجب حمايته، إلى كائن هش يحتاج إلى حراسة، بدل أن يكون هو ما يمنحنا الإحساس بالأمان.

في متحف اللوفر أبوظبي، تقف الأعمال اليوم في حالة انتظار غير معلنة. ليست خائفة -فالخوف صفة بشرية- لكنها محاطة بخوفنا نحن. نخشى عليها، وكأننا نخشى على ذاكرتنا من أن تُمحى فجأة، من أن تختفي كما تختفي المدن في نشرات الأخبار. وهنا، تتكشف المفارقة الكبرى: الحرب، التي تنتج الدمار، تحتاج إلى الفن لتُفهم. لكنها، في الوقت نفسه، قد تدمر ما يجعل فهمها ممكنا ما الذي فعلته الحرب بالجمال؟ ربما لم تغيّره في جوهره، لكنها كشفت هشاشته. وما الذي فعلته بالتراث؟ جعلته معلقا بين مكانين: مكانه الفيزيائي، ومكانه الرمزي. وما الذي فعلته بنا؟ جعلتنا ندرك، متأخرين، أن حماية الفن ليست ترفاً، بل دفاعاً عن آخر ما يجعلنا بشرا. في النهاية، لا يتعلق الأمر بلوحات في متحف بعيد، بل بسؤال يهم العالم كله: إذا كان الجمال نفسه لم يعد آمنا، فأين يمكن للإنسان أن يجد ملاذه الأخير؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *