بقلم زكية لعروسي، باريس
في مكان ما من السافانا، حيث العشب يتمايل كبحر أخضر خائف، لا يبدأ الجري… بل يبدأ الانفجار. ليس انفجارا من نار، بل من لحم وعصب وإرادة. هناك، حين يقرر الفهد أن يركض، لا يطارد فريسة فقط، بل يطارد حدوده، يطارد الزمن ذاته، كأن كل ثانية تهرب منه، فيلاحقها حتى يمسك برقبتها. العلم يقول إن سرعته تصل إلى أكثر من 100 كيلومتر في الساعة. لكن العلم، رغم دقته، يبقى أحيانا عاجزا عن وصف الدهشة. كيف نصف جسدا يتحول إلى قوس حيّ؟ عمود فقريّ يتمدد وينكمش كوتر كمان مجنون، رئتان تتسعان كأنهما تحاولان ابتلاع الهواء، وقلب يدق بسرعة حرب. كل خطوة ليست خطوة، بل قفزة في الفراغ. سبعة أمتار في نبضة واحدة. كأن الأرض نفسها تتراجع لتفسح له الطريق.

الفهد لا يركض طويلا. هو شاعر السرعة القصيرة، نبيّ اللحظة الخاطفة. يعرف أن طاقته نار لا تحتمل الامتداد، فيشعلها كلها… ثم ينطفئ. وهنا تكمن عبقريته. إنه لا ينافس الزمن في الماراثون، بل يطعنه في صدره خلال ثوان لكن، لو تأملنا أعمق…سنجد أن الفهد ليس مجرد حيوان سريع، بل فكرة. فكرة أن الطبيعة، حين تريد أن تبلغ أقصاها، لا تختار التوازن… بل التطرف. تصنع كائنا هشا في صموده، خارقا في لحظته. سرعته هي معجزته… وضعفه أيضا.
والآن، دعنا قارئي العزيز نخرج قليلا من السافانا، وندخل إلى غابة أخرى… غابة من الكلمات. هناك، لا نسمع وقع الأقدام، بل وقع الجمل. لا نرى الغبار، بل نرى العناوين تتطاير. وهناك يقف رجل، لا يركض بجسده… بل بلسانه: إذا كان الفهد يقيس سرعته بعدد الأمتار في الثانية، فترامب -فهدنا الوردي- يقيسها بعدد التصريحات في الدقيقة. كلاهما، بطريقته، لا يعرف التمهل. الفهد ينطلق بلا تردد، وترامب يتكلم بلا فرامل. لكن المفارقة هنا لذيذة حد السخرية: الفهد، رغم سرعته الجنونية، دقيق. كل حركة محسوبة، كل قفزة موجهة، كل ثانية لها ثمن. لأنه إن أخطأ… خسر كل شيء. أما سرعة التواصل لدى ترامب، فهي أشبه بعاصفة بلا خريطة. تغريدة هنا، تصريح هناك، فكرة تقفز فوق أخرى، كأن اللغة نفسها تحاول اللحاق به… فتتعثر. الفهد يحتاج إلى 3 ثوان ليبلغ سرعته القصوى. ترامب يحتاج إلى أقل من ذلك ليبلغ ذروة الجدل.

الفهد يلهث بعد سباق قصير. أما الضجيج الذي يتركه ترامب… فيلهث العالم خلفه. فلا عجب…فلا عجب ونحن بحضرة العجب، أن نجد أنفسنا نقارن بين كائن يركض على أربع، وآخر يركض على منصة إعلامية. الأول يترك آثار أقدام على التراب، والثاني يترك آثارا في العقول. لكن الحقيقة التي لا مفر منها: سرعة الفهد تنقذه من الجوع، أما سرعة الكلام… فقد لا تنقذ أحدا من الفوضى. وهكذا، بين السافانا وشاشات الأخبار، نكتشف أن السرعة ليست دائما فضيلة، بل أحيانا… اختبار. اختبار لما إذا كنا نعرف متى نركض، ومتى… نصمت.
📲 Partager sur WhatsApp