بقلم زكية لعروسي، باريس
في اليوم الألف وأربعمائة والرابع والتسعين من الحرب في أوكرانيا، باتت الجبهات تمتد على خرائط أبعد، حيث تتقاطع السياسة بالأمن، والجغرافيا. زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى الأردن، ضمن جولة شرق أوسطية شملت عواصم خليجية، ليست مجرد محطة دبلوماسية، بل تعبير مكثف عن تحوّل عميق في طبيعة الحروب المعاصرة. في عمّان، حيث الهدوء الظاهري يخفي حساسية إقليمية بالغة، تناقش “الأمن” بلغة مختلفة. لم يعد المفهوم مقتصرا على حماية الحدود، بل أصبح مرتبطا بالسماء: بالطائرات المسيّرة، بأنظمة التشويش، وبحرب غير مرئية تدور في الفضاء الإلكتروني والجوّي على حد سواء. هنا، لا تسمع أصوات المدافع، لكن تقرأ ملامح صراع يتشكل بصمت.
تشير المعطيات إلى أن أوكرانيا، التي راكمت خبرة مكثفة في مواجهة الطائرات المسيّرة ذات المنشأ الإيراني المستخدمة من قبل روسيا، تحوّلت من ساحة حرب إلى مختبر خبرة يطلب في مناطق أخرى. دول الخليج، التي تواجه بدورها تهديدات مماثلة، باتت تستقبل خبراء أوكرانيين، في مشهد يعكس تبادلا غير تقليدي للأدوار: دولة في قلب حرب مفتوحة تصدّر خبرتها إلى مناطق لم تنخرط بعد في الصراع ذاته، لكنها تستشعر ظلاله. في هذا السياق، لا تبدو الطائرات المسيّرة مجرد أدوات عسكرية، بل رموزا لمرحلة جديدة من التاريخ. إنها أسلحة منخفضة الكلفة، عالية التأثير، تعيد تعريف ميزان القوة، وتربك الحسابات التقليدية التي كانت تقوم على التفوق التكنولوجي الباهظ. الحرب، بهذا المعنى، لم تعد امتيازا للدول الكبرى فقط، بل أصبحت أكثر سيولة، وأكثر قابلية للانتشار.

تصريح زيلينسكي بأن “الأمن هو الأولوية” لا يحمل فقط بعدا سياسيا، بل يكشف عن قلق عالمي مشترك. فحين تتقاطع تهديدات الشرق الأوسط مع خبرات أوروبا الشرقية، نكون أمام عالم لم يعد يحتمل الفصل بين أزماته. إننا نعيش لحظة تآكل الحدود المفاهيمية: ما يحدث في كييف يمكن أن يختبر صداه في عمّان، وما يطوَر في ساحات القتال قد يعاد توظيفه في سياقات مختلفة تماما. وفي مشهد آخر لا يقل دلالة، يسقط طائرتان مسيّرتان قرب الحدود الفنلندية، في حادث يفتح باب الاحتمالات: هل نحن أمام أخطاء تقنية، أم أمام ارتدادات لحرب تجاوزت قدرتها على التحكم في مساراتها؟ حتى في غياب الإجابة الحاسمة، يكشف الحدث عن حقيقة مقلقة: التكنولوجيا التي تمنح السيطرة، تحمل في طياتها أيضا بذور الانفلات. أما في الخلفية الأوسع، فتتحرك ناقلة نفط روسية نحو كوبا، متحدية قيودا دولية، في مشهد يعيد إلى الأذهان ملامح الحرب الباردة، ولكن بأدوات جديدة. الطاقة، مثل الأمن، أصبحت جزءا من معادلة الصراع، حيث تتشابك المصالح الاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية، في شبكة معقدة يصعب تفكيكها.

يمكن القول إن هذه الحرب لم تعد مجرد نزاع بين دولتين، بل تحوّلت إلى حالة عالمية تعيد تعريف مفاهيم القوة، والسيادة، وحتى الزمن. فالصراعات اليوم لا تنتهي عند حدودها، بل تمتد كأمواج، تتلاطم في أماكن بعيدة، وتعيد تشكيل العالم ببطء ولكن بثبات. في عمّان، كما في كييف، وفي هلسنكي كما في هافانا، تتجلى ملامح عالم جديد: عالم لا تُقاس فيه الحروب بعدد الدبابات، بل بقدرة الدول على التكيّف مع واقع متحوّل، حيث التكنولوجيا تسبق السياسة، والتهديد يسبق التفسير. وهكذا، فإن زيارة زيلينسكي ليست مجرد تحرك دبلوماسي، بل علامة على زمن تتنقل فيه الحروب خارج خرائطها، وتبحث عن معان جديدة في عالم لم يعد كما كان.
📲 Partager sur WhatsApp