كييف على صفيح ساخن بانشغال أوروبا

بقلم زكية لعروسي، باريس

في اليوم الـ 1497 من الحرب التي أعادت تشكيل قارات الإرادة الأوروبية، تتداخل الخيوط على مسرح أوروبا الشرقية في مشهد يجمع بين رفض بارد من الكرملين وأمل متلهف من كييف. فبينما ترفض موسكو أي حديث عن “هدنة عابرة” واصفة إياه بالغموض الذي يفتقر إلى الجدية، ينتظر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بفارغ الصبر ما تعده به بروكسل من أموال، في لحظة تبدو فيها الحرب وكأنها معلقة بين رماد الماضي وحسابات المستقبل. لم تكن سوى ساعات حتى تحطمت “مبادرة الهدنة” التي أطلقها زيلينسكي عشية ذكرى بوتشا، تلك البقعة التي لا تزال شاهدة على بشاعة الحرب. فمن موسكو، خرج دميتري بيسكوف ليعلن أن الكرملين لم ير في كلمات الرئيس الأوكراني سوى “رغبة عائمة” دون “مبادرة واضحة الصياغة”. في تلك العبارات الموجزة، التي تلفها برودة الدبلوماسية، تكمن قراءة باردة لواقع مؤلم: موسكو لم تعد تتعامل مع مبادرات السلام كأهداف، بل كأدوات تكتيكية في معركة أوسع.

واللافت أن الرفض الروسي لم يأت بصوت عال مدو، بل بصمت متعالي يختبر قدرة الغرب على تحمل أعباء حرب استنزاف تطول أمدها. فالكلام عن “هدنة باسكال” في سياق التقويم الأرثوذكسي كان يمكن أن يكون لحظة رمزية، لكنه تحول إلى اختبار آخر لمدى جدية الأطراف في تجاوز منطق الدمار. وكأن الكرملين يريد أن يقول: لا سلام بلا شروط، ولا هدنة بلا اعتراف بالواقع الجديد على الأرض. في الجانب الأوكراني، تحضر الذكرى لتذكير العالم بجراح لم تندمل. فبينما كان زيلينسكي وزوجته أولينا يحتفيان بذكرى ضحايا بوتشا في مراسم مهيبة، كانت الرسالة الأكثر حضورا هي أن الصمود يتطلب دعما لا ينضب. إذ ينتظر الرئيس الأوكراني بفارغ الصبر ما ستسفر عنه تعهدات الاتحاد الأوروبي، تلك الوعود المالية التي تحولت في مخيال كييف إلى شريان حياة في معركة لا هوادة فيها.

لكن الانتظار الأوكراني يحمل في طياته أكثر من مجرد أرقام مالية. فهو تعبير عن قلق عميق من تراجع الاهتمام الغربي، وانشغال العواصم الأوروبية بمعاركها الداخلية في ظل أزمات الطاقة والاقتصاد. ففيما تترنح أوروبا تحت وطأة التضخم وصدمات أسعار النفط، تتحول أوكرانيا تدريجيا إلى نافذة ماضٍ قد ينسى، بينما تنشغل القارة بمستقبلها القاتم الذي ترسمه أزمات الطاقة والانتخابات والانقسامات الداخلية. لكن المشهد الأوكراني لا يمكن فهمه بمعزل عن التحولات الجيوسياسية التي يعيشها العالم في هذه الفترة. فالدعوات الأوروبية لخفض الطلب على النفط في مواجهة أزمة الطاقة، والاضطرابات الاجتماعية في عواصم القارة القديمة، تشير إلى أن أوروبا بدأت تشعر بأن تكاليف الحرب بدأت تلتهم أحشاءها. وهنا يكمن الخطر الأكبر على أوكرانيا: أن يتحول دعمها من ضرورة استراتيجية إلى عبء اقتصادي ثقيل على موازنات تعاني أصلا من شظف العيش. في الوقت نفسه، يقرأ الكرملين هذا التحول بعين فاحصة. فالرفض الروسي للهدنة لم يكن مجرد عناد دبلوماسي، بل كان اختباراً لقدرة الغرب على الحفاظ على تماسكه في وجه إرهاق طويل الأمد. وكأن موسكو تراهن على أن الزمن يعمل لصالحها، وأن الانتخابات المقبلة في أوروبا وأميركا قد تفضي إلى قيادات أقل التزاماً بملف أوكرانيا.

ما يحدث في اليوم الـ1497 من الحرب لا يمكن اختزاله في عنوان عابر. إنه مشهد متكامل من الإرادات المتصارعة: روسيا ترفض الهدنة لأنها تؤمن بأن الوقت حليفها، وأوكرانيا تنتظر الدعم الأوروبي لأنها تعلم أن أي تراجع في هذا الدعم يعني انهيارا متسارعا، وأوروبا تجد نفسها ممزقة بين ضرورة التضامن مع كييف وواجب حماية مواطنيها من تبعات أزمة طاقة غير مسبوقة. في هذا المثلث المرسوم على خريطة العذاب الأوروبي، تظل الأسئلة مفتوحة: هل تصمد الإرادة الغربية حتى النهاية؟ أم أن “تعب الديمقراطيات” سيفضي إلى تسوية قد تكون آخرها أوكرانيا؟ وهل ما زال لدى الكرملين القدرة على تحمل كلفة حرب استنزاف تطول إلى ما لا نهاية؟ في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتبدل فيه التحالفات، تبقى الحقيقة الوحيدة هي أن الدماء ما زالت تراق، وأن أرواحا كثيرة تنتظر ما ستسفر عنه أيام قادمة قد تحمل في طياتها ملامح نهاية هذه المأساة أو بداية فصول جديدة منها. في انتظار ذلك، تبقى الصورة كما هي: كييف تنتظر، وموسكو ترفض، وأوروبا تترنح بين الالتزام والانشغال، فيما يدور الزمن في حلقة مفرغة لا تبدو نهايتها قريبة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *