حين تتكلم اللغة: يوم الفرنكوفونية في اليونسكو

بقلم زكية لعروسي

في يوم باريسي مضمَّخ بنَفَس الربيع، حيث تتماهى ظلال اللغات في بهو الإنسانية، انتصبت اليونسكو كمنارة تجدّد العهد مع الكلمة. هناك، في ذلك الفضاء الذي لا يقاس بالجغرافيا بل بالمعنى، احتشدت الأرواح لا لتحتفل بلغة فحسب، بل لتحتفي بإمكانية العيش معا عبرها: إنّه اليوم العالمي للفرنكوفونية. الفرنسية هنا ليست أداة تواصل عابرة، بل كينونة رمزية، حبرها من التاريخ، ونحوها من التلاقي، وصوتها امتداد لآلاف الحكايات التي عبرت القارات دون جواز سفر. في هذا المقام، تبدو اللغة كجسر لا يرى، لكن تعبره الشعوب كل يوم، حاملة معها عاداتها، موسيقاها، وأحلامها الصغيرة التي تبحث عن معنى مشترك. وقد كان المشهد في اليونسكو أقرب إلى سيمفونية كونية: خطابات تتناوب كأنها مقاطع موسيقية، عروض فنية تتخلّلها كاستراحات شعرية، وأصوات متعددة الجنسيات تنطق بلغة واحدة دون أن تفقد اختلافها. هناك، لم تكن الفرنسية لغة فرنسا فقط، بل لغة إفريقيا حين تغنّي، ولغة الكاريبي حين يرقص، ولغة الشرق حين يتأمّل.

غير أنّ اللحظة الأكثر دلالة لم تكن في الرسميّات، بل في ذلك التدخل الجمعوي الآتي من ضواحي باريس؛ حيث اجتمع شبّان وشابات، من أصولٍ شتّى، في حصة إملاء بعنوان ” الإملاء للجميع” . يا للمفارقة البهيّة: الإملاء، ذلك التمرين المدرسي البسيط، يتحوّل إلى فعل ثقافي جامع، إلى طقس يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان واللغة. في تلك القاعة، لم يكن الخطأ عيبا، بل جسرا للتعلّم، ولم تكن القواعد قيودا، بل مفاتيح للانتماء. كل كلمة تكتب كانت بمثابة خطوة نحو الاندماج، نحو الاعتراف، نحو أن يقول الفرد: “أنا هنا، وأفهم، وأفهم”. لقد بدا واضحا، دون تصريح فجّ، أن الاندماج في الفضاء الفرنكوفوني ضرورة وجودية؛ إذ لا يمكن العبور إلى عمق المجتمع دون امتلاك مفاتيح لغته.

فاللغة الفرنسية، في هذا السياق، ليست مجرّد وسيلة للتعبير، بل نظام رمزي يعيد تشكيل الذات. من دونها، يبقى الفرد على تخوم المشهد، يرى ولا يرى، يسمع ولا يسمع. بها، يصبح فاعلا، مشاركا، قادرا على كتابة سطره الخاص في كتاب الجماعة. ولعلّ ما يمنح هذا اليوم بريقه الخاص هو هذا التداخل بين الرسمي والشعبي، بين الدبلوماسي والتربوي، بين الخطاب الكبير وتفاصيل الحياة اليومية. الفرنكوفونية، في جوهرها، ليست مؤسسة ولا شعارا، بل تجربة إنسانية حيّة، تتجدد كلما نطق طفل بكلمة جديدة، أو كتب مهاجر جملة أولى دون خوف. هكذا، في قلب اليونسكو، تبيّن أن اللغة ليست مجرد كلمات مصطفّة، بل قدر مشترك. وأن الفرنسية، بكل ما تحمله من تاريخ وتعقيد، تظلّ فضاء رحبا لمن أراد أن ينتمي دون أن يذوب، وأن يندمج دون أن يتلاشى. إنها دعوة صامتة، لكنها عميقة: تعلّم اللغة، لتصير جزءا من الحكاية.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *