الأسر الفرنسية أمام ميزاجية الضرائب

Concept cutout paper composition of businessman with bag of money for taxes instead of head against green background

الورقاء

مرة أخرى، يسقط القناع عن وجه “جمهورية النموذج”. في بلد أعلن حقوق الإنسان، وأشعل شرارة الثورة ضد امتيازات الأغنياء، ورفع راية “حرية، مساواة، أخوة”، نكتشف أن الحقيقة على الأرض مختلفة تماما. أكثر من 13 ألف أسرة ثرية، تخضع للضريبة على الثروة العقارية ، لا تدفع قرشا واحدا من ضريبة الدخل. بل أكثر من ذلك: بعضها يحصل على ضريبة سلبية، أي أن الخزينة الفرنسية تدفع لها! هذه الأرقام التي كشفت عنها مديرة عامة للمالية العامة أمام الجمعية الوطنية الفرنسية، هي بمثابة قنبلة موقوتة تحت قصر بيرسي ، مقر وزارة الاقتصاد والمالية. الأرقام تقول: 13,335 أسرة ثرية معفاة من ضريبة الدخل، و2,000 فقط من بينهم خضعوا لعملية مراجعة أو “رد الاعتبار” . الباقي؟ ينامون في حضن القانون، أو ربما في حضن الثغرات التي صممت خصيصا لحمايتهم.

هذا المقال ليس مجرد تعليق …إنه تحليل لظاهرة اعتقدنا أنها حكر على “بلداننا العربية” أو الدول غير الديمقراطية. إنها قراءة في سيكولوجية الدولة حين تراقب الفقير بدقة متناهية، وتتغاضى عن الغني بعين راضية. إنها رحلة في فلسفة العدالة الضريبية التي انقلبت رأسا على عقب. لنفهم الفضيحة، علينا أن نعرف من هم هؤلاء “المحظوظون”. الضريبة على الثروة العقارية هي ضريبة تدفع على الممتلكات العقارية التي تتجاوز قيمتها 1.3 مليون يورو. يعني أن من يخضع لهذه الضريحة هو بكل بساطة غني، بل غني جداً. ليس مواطنا عاديا يعاني لدفع فاتورة التدفئة. هؤلاء الـ 13,335 أسرة هم أثرياء يملكون عقارات بالملايين. لكنهم، بطريقة ما، استطاعوا أن يجعلوا دخلهم الخاضع للضريبة يصل إلى الصفر أو ما دون الصفر. كيف؟ عبر هندسة مالية معقدة، واستغلال الثغرات القانونية، وربما عبر التهرب الضريبي الصريح. لكن الرقم الأكثر إثارة للغضب هو أن 2,000 فقط من هذه الأسر خضعوا للمراجعة يعني أن 11,335 أسرة ثرية بقيت بمنأى عن أي تحقيق، وكأن ما تفعله قانوني تماما. هنا يطرح السؤال نفسه: هل هذه الأسر الـ 11,335 هي فعلاً ضمن القانون؟ أم أن الدولة تختار أن تغض الطرف؟ أم أن جهاز المراقبة الضريبية في فرنسا، الذي يعتبر من أقوى الأجهزة في العالم، ينام عندما يتعلق الأمر بالأغنياء؟

فرنسا هي الدولة التي ابتكرت مفهوم “العدالة الضريبية” بامتياز. منذ الثورة الفرنسية، والضرائب هي أداة لإعادة توزيع الثروة، وتمويل الخدمات العامة، وحماية الضعفاء. النظام الضريبي الفرنسي معقد، لكنه في نظريته يسعى إلى أن يدفع الأغنياء أكثر، وأن يحصل الفقراء على دعم. لكن النظريات الجميلة تصطدم دائما بواقع مرير. في الممارسة العملية، هناك انقسام غريب في طريقة تطبيق القانون الضريبي. الفقير الذي ينسى التصريح عن بضع مئات من اليوروهات يتلقى إنذارا فوريا، وربما غرامة. أما الغني الذي يستعين بمحامي ضرائب ومستشارين ماليين لتحويل دخله إلى صفر، فإنه ينام مرتاحا. هذا الانقسام يعكس ظاهرة أعمق: الدولة التي تخاف من الأقوياء وتتنمر على الضعفاء. وهي ظاهرة ليست حكرا على فرنسا، لكنها عندما تحدث في فرنسا تكون صدمة أكبر، لأن فرنسا هي التي علمت العالم معنى المساواة.

هناك نظرية غير مكتوبة في الإدارة الضريبية الفرنسية: “لا تزعج الطيور المهاجرة”. الأغنياء، كما يقال، يمكنهم ببساطة أن يغادروا البلاد إذا شعروا أن الضرائب مرتفعة جدا. هناك أمثلة شهيرة: جيرار دوبارديو الذي هاجر إلى روسيا احتجاجا على الضرائب، وآخرون فضلوا الإقامة في بلجيكا أو سويسرا أو لوكسمبورغ. هذا الخوف من هروب رؤوس الأموال يجعل الدولة تتساهل مع الأغنياء. لكن الثمن هو أن الفقراء يدفعون الفاتورة. فالعجز في الإيرادات الضريبية يجب أن يعوض بزيادة الضرائب على الطبقات الوسطى والدنيا. النظام الضريبي الفرنسي معقد لدرجة أن المحامي الماهر يمكنه أن يجد ثغرات لا تعد ولا تحصى. هناك ما يعرف بـ “التحسين الضريبي” ، وهو استغلال الثغرات القانونية لتقليل الضرائب. هذا ليس تهرباً في المعنى القانوني الضيق، لكنه في المعنى الأخلاقي سرقة بغطاء القانون. الغريب أن الدولة نفسها تشارك في هذه اللعبة. فهي التي تضع القوانين المعقدة، ثم تترك الثغرات مفتوحة، ثم تتظاهر بالعجز عن مراقبة الأغنياء. المديرة العامة للمالية العامة قالت أمام الجمعية الوطنية: الموارد البشرية غير كافية لمراجعة كل هذه الملفات. هذا يعني أن فرق المراقبة الضريبية تعاني من نقص حاد في الموظفين، بينما يتضخم عدد الأثرياء الذين يجدون طرقا للإفلات من الضرائب. هنا يطرح السؤال: هل تعاني الدولة فعلا من نقص في الموارد، أم أن هذا النقص مقصود؟ فمن مصلحة الطبقة السياسية التي تحكم فرنسا أن تبقى الثغرات مفتوحة، لأن الكثير من السياسيين أنفسهم يستفيدون منها؟

لطالما رددت الحكمة الشعبية المغربية أمثالا تعبر عن هذه الظاهرة بدقة متناهية. غرائب الأمر أن هذه الأمثال تنطبق اليوم على فرنسا، بلد الأنوار والحقوق. في المغرب، يقول الناس: “السمك الكبير كايلعب في البحر، والصغير كايتعلق في الشباك”. يعني أن الكبار يفلتون من العقاب، بينما الصغار يدفعون الثمن. هذا هو بالضبط ما يحدث في فرنسا اليوم. الأثرياء الذين يملكون 13 ألف أسرة “يلعبون” في بحر الثغرات القانونية، بينما الموظف البسيط الذي تأخر في دفع ضريبته “يتعلق” في شباك المراقبة. مثل مغربي آخر يقول: “اللي معاه الحيلة يبقى، واللي معاه الحيلة يموت”. لعبة الكلمات هنا تعبر عن ازدواجية المعايير. الأغنياء “معاهم الحيلة” (أي القدرة على التحايل) فيبقون في مأمن. الفقراء “معاهم الحيلة” (أي الفقر) فيموتون تحت وطأة الضرائب. في فرنسا، الأغنياء يستعينون بمستشارين وخبراء في “الهندسة الضريبية” ليقلصوا ضرائبهم إلى الصفر. الفقراء والطبقات الوسطى لا يملكون هذه الرفاهية، فيدفعون ما عليهم كاملا. وهذا المثل هو الأكثر قسوة: “اللي عندو الضهر يبقى، واللي ما عندوش الضهر يضرب”. “الضهر” يعني السند أو الحماية. الأغنياء لهم “ضهر” في شكل محامين نافذين، وعلاقات سياسية، وقدرة على الضغط على الإدارة. الفقراء لا ضهر لهم، فيضربهم سوط الضرائب دون رحمة. هناك علاقة معقدة بين النخب السياسية والاقتصادية. كثير من الوزراء والنواب السابقين يعملون الآن في شركات استشارات ضريبية، أو في بنوك استثمارية. هل هذا “الضهر” هو ما يحمي الأغنياء من المراجعات الضريبية؟

لعقود طويلة، كان العالم ينظر إلى فرنسا كنموذج للدولة القوية التي تراقب كل شيء، وتحمي الجميع، وتضمن العدالة الضريبية. النظام الضريبي الفرنسي كان يدرس في جامعات العالم كمثال على “الدولة الاجتماعية” التي تعيد توزيع الثروة. ما نراه اليوم هو انهيار هذه الأسطورة. 13,335 أسرة ثرية لا تدفع ضرائب هي دليل على أن الدولة إما عاجزة (وهذا فشل إداري) أو متواطئة (وهذا فساد سياسي). الفرق بين فرنسا و”البلدان العربية” التي كنا نظن أن هذه الظواهر حكر عليها، هو أن فرنسا تمتلك مؤسسات قوية نظريا. لكن عندما تفشل هذه المؤسسات في أداء دورها، فإن الفشل يكون أكبر. لأن السقوط من قمة عالية يكون أكثر إيلاما جان جاك روسو، الفيلسوف الفرنسي السويسري، صاحب نظرية “العقد الاجتماعي” ، يرى أن المجتمع قائم على اتفاق بين الأفراد والسلطة: الأفراد يتنازلون عن جزء من حريتهم مقابل أن تحميهم الدولة وتوفر لهم العدالة. الضرائب هي تعبير عن هذا العقد: الأغنياء يدفعون أكثر لأنهم يستفيدون أكثر من استقرار المجتمع. لكن عندما يفلت الأغنياء من دفع ضرائبهم، فإنهم ينتهكون العقد الاجتماعي. وبتعبير روسو، فإنهم يسرقون من المجتمع، لأنهم يأخذون الحماية دون أن يدفعوا ثمنها. كارل ماركس، الفيلسوف الألماني الذي عاش في فرنسا لفترة طويلة، يرى أن الدولة ليست حيادية، بل هي أداة في يد الطبقة المسيطرة لخدمة مصالحها. الضرائب، في هذا المنظور، هي وسيلة لإيهام الجماهير بأن هناك عدالة، بينما الحقيقة أن النظام الضريبي مصمم لحماية الأغنياء. ما نراه اليوم في فرنسا يؤكد رؤية ماركس: النظام الضريبي المعقد، والثغرات القانونية، وضعف المراقبة، كلها عناصر تخدم الأغنياء وتحميهم من دفع ما عليهم. الدولة هنا ليست عاجزة، بل هي عاجزة عمدا عن مراقبة من لا تريد مراقبتهم. بيير بورديو، عالم الاجتماع الفرنسي الكبير، تحدث عن مفهوم “العنف الرمزي” : هو العنف الذي يمارسه النظام الاجتماعي دون  أن يشعر به الضحايا، بل ويعتبرونه طبيعيا في حالة الضرائب، العنف الرمزي يتمثل في أن الفقراء يعتبرون دفع الضرائب واجبا مقدسا، بينما الأغنياء يعتبرون التهرب الضريبي “ذكاء ماليا”. النظام الضريبي، بهذا المعنى، لا يسرق المال فقط، بل يسرق الوعي أيضا. يجعل الفقراء يشعرون بالذنب إذا حاولوا التهرب، بينما يجعل الأغنياء يشعرون بالفخر إذا نجحوا في التهرب.

ما هو مستعجل زيادة عدد مفتشي الضرائب. فرنسا تعاني من نقص حاد في الموظفين المكلفين بمراجعة ملفات الأثرياء. 2,000 ملف فقط من أصل 13,000 تمت مراجعتها. هذا يعني أن 11,000 أسرة تركت دون مراجعة بسبب نقص الموارد. لكن هل ستخصص الحكومة الميزانيات اللازمة؟ أم أن هذا النقص مقصود؟ النظام الضريبي الفرنسي معقد لدرجة أنه يشجع على التهرب. تبسيطه قد يقلل من الثغرات التي يستغلها الأغنياء. لكن تبسيط النظام يعني أيضا أن بعض الامتيازات التي يتمتع بها الأغنياء ستختفي. لهذا السبب، تقاوم النخب السياسية والاقتصادية أي تبسيط حقيقي. الحل الجذري هو فرض ضريبة عالمية على الثروات، بحيث لا يستطيع الأغنياء الهروب من بلد إلى آخر. هذا الاقتراح تقدمت به شخصيات مثل توماس بيكيتي ، الخبير الاقتصادي الفرنسي الشهير. لكن تطبيقه يتطلب تنسيقا دوليا نادرا في زمن النزعات القومية المتصاعدة. في النهاية، لا شيء يتغير دون ضغط شعبي. فضيحة الـ 13,335 أسرة قد تكون فرصة لتحرك شعبي واسع. الفرنسيون معروفون بقدرتهم على النزول إلى الشوارع عندما يشعرون بالظلم. السؤال: هل ستكون هذه الفضيحة كافية لإشعال الشارع؟ ربما يكون الدرس الأكبر من هذه الفضيحة هو أن الظلم ليس حكرا على بلد معين. “بلاد الأنوار” ، التي علمت العالم معنى الحرية والمساواة، يمكن أن تصبح “بلاد الظلم” إذا تركت النخب تعبث بمؤسساتها. أكثر من 13 ألف أسرة ثرية لا تدفع ضريبة الدخل هي أكثر من مجرد رقم. إنها جريمة في حق العدالة الاجتماعية. إنها فضيحة أخلاقية قبل أن تكون فضيحة مالية. إنها دليل على أن الجمهورية التي نادى بها فولتير وروسو لم تولد بعد. في الحكمة الشعبية المغربية، يقولون: “الدنيا دوارة”. يعني أن الأيام تدور، ومن يظلم اليوم قد يُظلم غدا. لكن ربما الأصح أن نقول: “الدنيا لا تدور إذا لم يدوّرها الناس”. الضعفاء وحدهم لا يستطيعون تغيير شيء. التغيير يحتاج إلى غضب شعبي حقيقي، وإلى نخب سياسية تملك الشجاعة لمواجهة الأغنياء، وإلى إعلام لا ينام على فضائح السلطة. فرنسا اليوم أمام اختبار حقيقي: هل ستظل جمهورية النموذج، أم ستصبح جمهورية النخبة؟ الأرقام تتحدث. لكن الأهم هو ما سيفعله الفرنسيون بهذه الأرقام.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *