مضيق هرمز: العالم يتكلم بلغة القلق

بقلم زكية لعروسي, باريس

في لحظة دولية مشحونة، يعود مضيق هرمز ليحتلّ مركز المسرح الجيوسياسي، لا كممر مائي فحسب، بل كعصب كوني يضخّ في شرايين الاقتصاد العالمي ما يقارب خمس نفطه. إنّ ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل انكشاف فج لهشاشة النظام الدولي حين تحاصر المصالح في عنق زجاجة جغرافية.

إنّ تعطّل الملاحة في المضيق، بفعل التصعيد بين طهران من جهة، والتحالف الأمريكي-الإسرائيلي من جهة أخرى، لا يقرأ فقط بوصفه نتيجة عسكرية، بل كفعل استراتيجي محسوب. فإيران، التي تدرك محدودية تفوّقها في المواجهة التقليدية، تُتقن استخدام “جغرافيا الاختناق” كسلاح ردعي: إغلاق الممر لا يضرب خصمها مباشرة، بل يضغط على العالم بأسره، واضعا الجميع أمام معادلة قاسية: إمّا الاستقرار… أو الانهيار المتسلسل للأسواق.

اجتماع 35 دولة بدعوة بريطانية ليس تعبيرا عن وحدة صلبة، بل عن قلقٍ مشترك. إنّه تحالف الضرورة لا تحالف الرؤية. فالدول المشاركة – من أوروبا إلى آسيا – لا يجمعها مشروع استراتيجي بقدر ما يجمعها خوف من انقطاع الشريان النفطي. لكن، هل تملك هذه الدول فعلا القدرة على إعادة فتح المضيق؟ الإجابة أكثر تعقيدا مما توحي به البيانات الرسمية. فالتأمين البحري لا يتعلّق فقط بمرافقة السفن، بل بإدارة مخاطر غير متماثلة: ألغام بحرية، زوارق سريعة، صواريخ ساحلية… أي أنّ أي تدخل عسكري واسع قد يحوّل المضيق من ممر اقتصادي إلى ساحة حرب مفتوحة.

في خلفية المشهد، يلوح خطاب دونالد ترامب كإشارة إلى تحوّل أعمق: الولايات المتحدة لم تعد ترغب في لعب دور “شرطي الطاقة العالمي” دون  مقابل. تهديده بعدم حماية الدول المعتمدة على المضيق ليس مجرد تصريح تكتيكي، بل تعبير عن عقيدة جديدة تقوم على تقليص الالتزامات وإعادة توزيع الأعباء. هذا التحول يضع أوروبا واليابان أمام اختبار غير مسبوق: هل تستطيع هذه القوى، التي بنت أمنها لعقود تحت المظلة الأمريكية، أن تتحول إلى فاعل استراتيجي مستقل؟ أم أنّها ستظلّ رهينة توازنات لا تملك مفاتيحها؟

الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز ليس سوى العرض الأول لأزمة أعمق. فتعطّل الإمدادات لا يؤثر فقط على الطاقة، بل يمتدّ إلى سلاسل التوريد، النقل البحري، والتضخم العالمي. إنّنا أمام لحظة يصبح فيها المستهلك في أقصى الأرض مرتبطا مباشرة بزورق عسكري في مياه الخليج. الأزمة الحالية قد تكون لحظة تحوّل تاريخية. فإذا استمرّ التوتر، ستتسارع محاولات العالم لإيجاد بدائل: طرق طاقة جديدة تتجاوز المضيق استثمارات أكبر في الطاقة المتجددة إعادة توزيع مراكز النفوذ الاقتصادي لكن هذه التحولات، مهما بلغت سرعتها، لن تلغي حقيقةً أساسية: الجغرافيا تسبق السياسة.

في مضيق هرمز، لا تتصارع السفن فقط، بل تتصارع الرؤى: رؤية عالمٍ مترابط هشّ، ورؤية قوى إقليمية تستخدم هذا الترابط كسلاح. وما بينهما، يقف العالم في حالة ترقّب، يراقب ممرّا مائيا ضيقا… لكنه يتّسع ليحمل مصير الاقتصاد العالمي بأسره. إنها لحظة تقول فيها الجغرافيا كلمتها الأخيرة: من يملك المضيق… يملك إيقاع العالم.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “مضيق هرمز: العالم يتكلم بلغة القلق

  1. أزمة مضيق هرمز هي ما اختزل جل المنظمات الدولية وكلام القيمين عليها إلى مجرد قواقع فارغة.ما سمح للغة واحدة هي التي أجريت الجميع، وهي لغة القوة والدهاء.
    مضيق هرمز هو خشبة المسرح التي تشهد على قوة ثلاث شخوص:الحمار، التزيين والدي: من سيحكم قبضته على العالم؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *