ترامب: “كثرة الكلام من سخط الله”

 

بقلم زكية لعروسي، باريس

ليس جديدا أن نقول إن عصرنا بات عصر “الاستهلاك البصري للسياسة”، حيث الفعل السياسي يقاس بقدرته على إثارة الدهشة. وفي خضم هذا التحول الأنثروبولوجي الغريب، يبرز دونالد ترامب كظاهرة فريدة، أو ك”نموذج مرضي” للقائد الذي استبدل منطق الحكمة بـ”الـهَذْلَمة” اليومية، وجعل من التهوّر قيمة، ومن الصخب منهجا

أما ما قالته السيدة الأولى الفرنسية بريجيت ماكرون لزوجها – في لحظة عابرة لم تكن تحسب للتاريخ – فقد تحوّل على لسان ترامب إلى “قضية” و”دليل” على الضعف، وكأن الانتباه الصغير يليق برئيس يمارس سياسة “المكشوف” و”الفضائحي” بصفته أسلوبا وهنا، نستحضر مقولة الفيلسوف الألماني هانز جورج غادامير: “إن اللعب ليس مجرد نشاط، بل هو حالة وجودية كامنة في جوهر الإنسان”. لكن ماذا يحدث حين يقرر السياسي أن يمثل دور القوي، فيصدق تمثيله، وينسى أن الجمهور ليس غبيا؟

في الثقافة العربية، هناك مقولة بالغة الدقة: “الهدرة من سخط الله”. تعني أن الثرثرة بلا هدف ولا نظام ولا مسؤولية هي إهانة للكلمة التي كرّمها الله. وفي حالة ترامب، يصبح الكلام أشبه بسلاح كيميائي: ينتشر بلا رؤية، يسمم الأجواء، ويدمر أي إمكانية للتفاهم العقلاني. فما معنى أن يهدد رئيس أمريكي بالانسحاب من الناتو كل صباح، ثم يعود ليتراجع مساء؟ ما معنى أن يتهم فرنسا بعدم التعاون في حرب صنعها هو وإسرائيل دون استشارة حلفائه؟ ما معنى أن يعلن عن “عملية عسكرية لتحرير ممر ملاحي” ويعترف في الوقت نفسه بأنها “غير واقعية”؟

الجواب: إنه يمارس ما يمكن تسميته بـ”سياسة الفوضى المدارة”، حيث التناقض ليس خطأ، بل منهجا. فيلسوف اللغة لودفيغ فيتغنشتاين قال: “حدود لغتي هي حدود عالمي”. أما ترامب، فعالمه بلا حدود لأن لغته بلا قواعد. لا فرق عنده بين الجد والهزل، بين الخبر والإشاعة، بين التهديد والمزاح. وهذا تحديدا ما أشار إليه إيمانويل ماكرون حين قال: “إذا خلقنا كل يوم شكا في الالتزام، فإننا نفرغ المضمون من مضمونه”. وهي جملة تحمل نقدا أخلاقيا قبل أن تكون نقدا سياسيا

هذا السؤال هو جوهر التحليل. ترامب ليس مجرد سياسي “شعبوي”، بل هو شخصية درامية متكاملة، أشبه بأبطال مسرح العبث عند صامويل بيكيت أو أوجين يونسكو. ففي مسرحية “وحيد القرن” ليونسكو، يتحول البشر تدريجيا إلى حيوانات خشنة ووحشية لأنهم يقلدون القطيع. ترامب، بطريقته، يحاول إقناع أمريكا  بأن “القوة” هي أن تصرخ بصوت أعلى، وأن “الرجولة” هي أن تتجاهل المجاملات الدبلوماسية، وأن “القيادة” هي أن تتصرف باندفاع المراهق لا بحكمة الحكيم.

لكن المشكلة الكبرى تكمن في أنه صدق هذا الدور الذي لعبه. لم يعد ترامب يمثل “الرئيس الصاخب”، بل أصبح الصخب هو هويته. وعندما يصل السياسي إلى هذه المرحلة، يصبح أشبه بـ”نرجسي مسرحي” يعتقد أن التصفيق اليومي للجمهور هو المقياس الوحيد للحقيقة، متناسيا أن التاريخ لا يكتب بناء على “الترند” العابر. وهنا، نذكر قول الفيلسوف الإغريقي أفلاطون في “الجمهورية”: “أسوأ أشكال الظلم هو أن يصبح الشخص الذي يدّعي الحكمة جاهلا بجهله”. ترامب لا يعرف أنه لا يعرف، وهذا هو الخطر بعينه.

ثمة فرق بين “العفوية” كفضيلة في التواصل، وبين “التهوّر” كنقيض للحكمة. ترامب يخلط بينهما عمدا. فهو يستخدم الاندفاع الكلامي كأداة لامتحان ولاء حلفائه: من يصمت أمام شتائمه فهو عبد، ومن يردّ عليه فهو عدو. لكن الناقد الفرنسي رولان بارت قال ذات مرّة: “اللغة الفاشية لا تكمن في محتوى الخطاب، بل في علاقة المتكلم باللغة نفسها”. وترامب يقيم علاقة سادية مع اللغة: يعذبها، يمزقها، يعيد تركيبها بشكل عشوائي، ثم يرميها في وجه المتلقي كصفعة. هذه اللعبة نجحت لفترة، لأن الإعلام الأمريكي يغذيها، ولأن جزءا من الناخبين يجدون فيها متعة “الكارثة الحية”. لكن ماكرون، في رده البارد، كشف زيف هذا الأسلوب: “هذا لا يستحق ردا. هذه الجملة الهادئة هي القاتلة فلسفيا. لأن اللامبالاة المتعمدة تجاه الصراخ، هي أكثر ما يغضب الصرّاخ. حين لا تجد هذيانك صدى، تدرك فجأة أنك وحدك في مسرحك الفارغ.

ما يميز ترامب عن غيره، هو أنه يؤدي السياسة كما لو كان أمام كاميرات “تلفزيون الواقع” ، حيث كل شيء جائز: الكذب، التهديد، التناقض، الابتزاز، وحتى التعليق على حياة الآخرين الخاصة. وعندما قال عن بريجيت ماكرون إنها “تسيء معاملة زوجها” وإنه “لم يتعاف بعد من كلمة تلقيها في فيتنام”، فإنه لم يكن فقط فظا، بل كان مخترقا لحدود المقدس. لقد حوّل الحياة الخاصة لزعيم دولة حليفة إلى “مادة ترفيهية” تباع للمشاهدين. وهنا نستحضر الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس ونظريته عن “تحول المجال العام”. كان هابرماس يخشى من أن يصبح المجال العام مجرد “مسرح للاستعراض” تفقد فيه السياسة عقلانيتها. ترامب حقق أسوأ كوابيس هابرماس: السياسة أصبحت “حلبة مصارعة” تلفزيونية، والمواطن تحول إلى “مستهلك فضائح” لا إلى “فاعل سياسي”.

قارئي الكريم, ترامب ليس غبيا كما يحب أعداؤه أن يظنوا. بل هو ذكي بطريقة مرعبة: يدرك أن قواعد اللعبة القديمة تغيرت، وأن الجمهور المعاصر يعاني من “إدمان الأدرينالين السياسي”. لذلك، يغذيه بالصدمة اليومية، لأن الهدوء بالنسبة لجمهوره هو “موت للمشاهدة”.لكن ما لا يدركه ترامب، ربما، هو أن التاريخ لا يقاس بجاذبية اللحظة، بل بثقل العواقب. فماكرون قالها بوضوح: “لسنا بحاجة إلى عرض، بل إلى استقرار وسلام”.والفيلسوف الصيني كونفوشيوس قال منذ أكثر من 2500 سنة: “الرجل النبيل يتأنى في كلامه ويتسرع في أفعاله، بينما الرجل الحقير يتسرع في كلامه ويتوانى في أفعاله”.ترامب، دون أن يدري، جسّد النموذج الثاني في الفلسفة الكونفوشيوسية. والآن، أمام العالم أن يقرر: هل نضحك على هذه المهزلة حتى تنتهي، أم ندفع ثمنها غاليا عندما تتحول الكوميديا إلى مأساة؟

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “ترامب: “كثرة الكلام من سخط الله”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *