بقلم زكية لعروسي، باريس
في عصر تتسارع فيه الأخبار كما تتساقط الشهب صارت الكلمات كائنا حيًا وليس فقط صوتا في علم الفونولوجيا ك… نعم قرائي الأعزاء, هي كائن يولد، يتمدّد، ثم يقرّر مصير صاحبه. بين الأرض والسماء، بين السياسة والفضاء، وبين الصراع والإنكار، تتشابك خيوط عالم يزداد هشاشة كلما ازداد صخبا.
في الشرق، حيث اعتادت الأرض أن تحفظ خطى الأنبياء، باتت تحفظ أيضا أثر الصواريخ. تتبادل إيران إسرائيل رسائل من نار، وكأنّ أريس، إله الحرب في الأساطير اليونانية، قد عاد ليقيم بينهما. تصريحات ترامب لا تأتي كتحليل بارد، بل كوعيد مشحون: تهديد بتوسيع دائرة الضربات لتطال البنية التحتية، وكأنّ الحرب لم تعد مواجهة جيوش، بل اختبار صبر الشعوب. وفي هذا المشهد، تتجلّى حكمة عربية قديمة: “إذا اشتعلت النيران، لا تفرّق بين الحطب والورد.”
العنف لا ينتقي. والتحريض عليه -ولو بكلمة- قد يكون الشرارة الأولى في غابة جافة. الكلمة…قد تصبح تهمة. ففي باريس، لا تسقط الصواريخ، لكن الكلمات تسقط بثقل لا يقلّ خطرا. قضية ريما حسن تفتح بابا دقيقا بين حرية التعبير وحدودها، بين التضامن السياسي والانزلاق نحو التأويل الخطير. اتهام بـ”تمجيد الإرهاب”، ونفي لحيازة مواد غير قانونية، في مشهد يختلط فيه القانوني بالسياسي، والواقعي بالرمزي. هنا، لا بد من استحضار سقراط، الذي دفع حياته ثمنا لكلماته. في الفلسفة اليونانية، الكلمة ليست بريئة دائما، بل هي مسؤولية أخلاقية. وفي التراث العربي: “لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الأحمق وراء لسانه.”

فالكلمة حين تقال، لا تعود ملك صاحبها، بل تصبح ملك التأويل. في الأسطورة اليونانية، حاول إيكاروس الطيران بأجنحة من شمع، لكنه سقط حين اقترب أكثر مما ينبغي من الشمس. واليوم، نطير من جديد, لكن بألسنتنا… السؤال يبقى: هل نتعلّم من السقوط، أم نكرّره بأدواتٍ أكثر تطورا؟ بين العنف والكلمة: أين يقف الإنسان؟ العالم اليوم يقف على مفترق ثلاثي: .نار الصواريخ, نار الكلمات, وحلم النجاة في السماء لكن الحقيقة الأعمق هي أن العنف لا يبدأ بالسلاح، بل بالفكرة. والفكرة لا تولد إلا في كلمة.
إن رفض العنف ليس موقفا سياسيا فحسب، بل هو اختيار لغوي أيضا. أن ترفض التحريض، يعني أن تختار كلماتك كما يختار الجراح أدواته -بدقة، وبمسؤولية، وبوعيٍ بأن الخطأ قد يكون قاتلا. في النهاية، لا الصاروخ ينتصر، ولا الشتيمة تبني، ولا حتى الرحلات إلى القمر تنقذ إنسانا فقد إنسانيته. تبقى الكلمة. قد ترفع أمة، وقد تسقط إنسانا، وقد تشعل حربا… أو تطفئها. ولهذا قيل: “ربّ كلمة قالت لصاحبها دعني.” فهل نملك الشجاعة لنصمت حين يجب،ونتكلّم حين يكون الكلام نجاة… لا نارا؟
📲 Partager sur WhatsApp