تأمل في عبادة التميز ومعبد الضغط

بقلم م.زكية لعروسي ، باريس

في حاضر يئن فيه الأهل تحت ثقل قوائم الانتظار لطبيب نفسي لأطفالهم، وفي زمن تحولت فيه حقيبة الظهر المدرسية إلى كيس ملاكمة يحمل كتبا وقلقا وحبوبا منومة، يأتي وزير التربية الفرنسي ليعلن بكل فخر: “سنخلق كونكورا عاما فيالمستوى الإعدادي عام 2027”. لا، ليس هذا خبرا عابرا. إنه إعلان حرب جديدة على بقايا الطفولة المتبقية في عظام أولادنا. وكأن المجتمع لم يكتف بتحويل المدارس إلى معامل لفرز البشر، بل يريد الآن أن يضفي على هذه المعامل طابعا احتفاليا، يسمى “التميز”، ويكسوه بجلباب “الكونكور العام” الذي يعود تاريخه إلى عام 1744. سؤال فلسفي بسيط، لكنه مدمر: لماذا نصرّ على تحويل حياة أطفالنا إلى ماراطون لا نهاية له، في حين أنهم لم يطلبوا أبدا أن يكونوا عدائين؟

لنبدأ من الجذر: الفكرة القائلة إن “الإمولاسيون” (الدفع التنافسي) هو الطريق الوحيد للتميز، هي فكرة وليدة الرأسمالية المتوحشة، وليست ابنة الحكمة أو التربية الحقيقية. أي, نعم، المنافسة قد تصنع نجوما، لكنها في الأغلب الأعم تصنع جدرانا نفسية، وكراسات بيضاء ممزقة، وأطفالا يتعلمون منذ الصف السادس أن الآخر ليس صديقا بل خصما يسحق.

الفلاسفة الذين تأملوا التربية، من روسو إلى مونتاني إلى جون ديوي، لم يضعوا “التفوق” هدفا، بل وضعوا “الإنسان المتوازن” هدفا. روسو في “إميل” قال: “الحياة ليست فن التنفس، بل فن العمل. ليس الطفل الذي يركض أسرع هو الأفضل، بل الذي يعرف لماذا يركض”. لكننا اليوم، في عصر “الترندات التربوية”، نركض خلف النماذج الكورية والسنغافورية والفنلندية، متناسين أن فنلندا ذاتها التي يتغنى بها الجميع، ألغت الامتحانات الموحدة في المراحل الأولى، وجعلت “اللعب” مادة أساسية، لأنها أدركت أن الضغط المدرسي لا يصنع أمة مبدعة، بل أمة من العصابيين المنتجين. فماذا عن الضغط النفسي لأولادنا؟”.. السؤال الذي لم يسأل

هل سأل أحد وزير التربية: كم طفلا فرنسيا يتناول مضادات الاكتئاب اليوم؟ كم مراهقا يخفي ندوب الحلاقة تحت كم قميصه؟كم هم الأطفال اليوم الذين يعيشون في حالة قلق دائمة، ليس لأنهم أحرار، بل لأنهم مراقبون ومقارنون ومصنفون منذ سن العاشرة. ونحن نضيف عليهم الآن “كونكورا عاما” ليكون القشة التي تقصم ظهر البعير النفسي. إن أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا، فعلينا أن نعترف: النظام التعليمي اليوم لم يعد ينتج “بشرا متعلمين”، بل ينتج “سلعا قابلة للتوظيف”. الأولاد لم يعودوا أطفالا، أصبحوا “مشاريع استثمارية”. الأهل لم يعودوا آباء، أصبحوا “مديري نجاح”. والمدرسون لم يعودوا مربين، أصبحوا “مدربين على الامتحانات”. وهذا الكونكور الجديد ليس إلا قمة الجبل الجليدي في حضارة تعبد “الإكسيلانس” (التميز) كصنم جديد. لكن الفلسفة اليونانية القديمة كانت تعرف شيئا نسيناه: التميز الحقيقي (أريتي) لا يقاس بالفوز على الآخرين، بل بتحقيق الإنسان لأفضل ما فيه، في سلام مع ذاته ومع مجتمعه. أرسطو قال في “الأخلاق النيقوماخية”: “السعادة هي نشاط الروح وفق الفضيلة الكاملة”. أين الفضيلة في كونكور يدفع طفلا إلى البكاء ليلة الامتحان؟ أين الكمال في نظام يخبر التلميذ أنه “فاشل” لأنه حصل على 12 من 20 بينما صديقه حصل على 18؟

المنافسة ليست قيمة مطلقة. هي أداة، مثل السكين، يمكن أن تقطع الخبز أو تقطع الحلق. النظام التعليمي الذي يبني هويته على “التفوق” هو نظام ينتج بشكل طبيعي “الرسوب”، لأن القاعدة الرياضية بسيطة: في أي  سباق، هناك فائز واحد وخاسرون كثيرون. فماذا نفعل بالخاسرين؟ نخبرهم أنهم “غير مميزين”؟ نضعهم في زاوية “العاديين” وننسى أن العادي ليس مرادفا للفاشل؟الفيلسوف التربوي جون ديوي حذّر: “التعليم ليس تحضيرا للحياة، التعليم هو الحياة نفسها”. لكننا حولنا التعليم إلى تحضير دائم لشيء قادم: امتحان الشهادة، ثم امتحان القبول في الجامعة، ثم امتحان الوظيفة، ثم… ثم الموت. وأطفالنا يعيشون في حالة “تأجيل دائم للحياة” ، ينتظرون ذلك اليوم الأسطوري الذي “سينجحون فيه” ليبدأوا بالعيش. لكن ذلك اليوم لا يأتي أبدا لأنه كلما وصلوا إلى قمة، وضعنا لهم قمة أخرى. لست هنا لأدعو إلى فوضى تربوية، أو إلى إلغاء الامتحانات بالكامل. لكني أدعو إلى وقف جنون العظمة الذي يجعل من “الكونكور” مشروعا وطنيا بدائل بسيطة، لكنها جوهرية:

1- أن نعلّم أطفالنا أن “الفشل” جزء من التعلم، وليس نهاية العالم. الفلسفة الوجودية علمتنا أن الإنسان يصنع معنى حياته من خلال مواجهة الفشل، وليس الهروب منه.

2- أن نعيد تعريف “التميز” ليشمل المهارات الحياتية: التعاطف، الصبر، الإصرار، الفضول المعرفي، وليس فقط القدرة على حل مسائل رياضية تحت الضغط.

3- أن نقلل عدد الامتحانات بدلا من زيادتها، وأن نجعل المدرسة مكانا للاكتشاف والمتعة، وليس ساحة حرب يومية

4- أن نتذكر أن أطفالنا ليسوا “مشاريع” بل كائنات حية تحتاج إلى الحضن قبل الحقيبة، إلى اللعب قبل الدرس، إلى النوم العميق قبل النجاح المبهر.

ما يفعله وزير التربية الفرنسي، وما تفعله كل الحكومات التي تقدس المنافسة، هو بناء مجتمع من القلاقل النفسية تحت شعارات براقة. الكونكور العام ليس أداة لاكتشاف الموهوبين، بل هو آلة لتعذيب المتوسطين وإشعارهم بالنقص مدى الحياة. الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه حذّر من “أوهام المثالية”، وقال: “ما لا يقتلني يجعلني أقوى”. لكنه نسي أن يضيف: “وما لا يقتلني قد يصيبني بجروح لا تندمل”.

📲 Partager sur WhatsApp

 

 

One thought on “تأمل في عبادة التميز ومعبد الضغط

  1. العالم يتنفس أوهام التقنية. ما جعل موظفوها، بمعنى من تتكلم ماهيتها بلسانهم ، يزعمون بأن عالم الانساني والرمزي الذي هو بيان البشر، يمكنه أن يدبر بقرارات تقنوية. ومجال التجريب هو ميدان التربية. والتربية أساسا مجال بناء الانسان في مختلف مكونات شخصيته، لكي يعيش كشخص يتنفس قيم مسقط الرأس و
    القيم الإنسانية الكونية.
    التربية ليست مختزلة في التعليم، أي مناهج وأساليب بناء كفايات تفكيرية منطقية تؤهله ، فيما بعد بميدان الشغل وفق ما تطلبه كبريات المقاولات الرأسمالية.
    التربية تهي، الإنسان للحياة، انا التعليم، فهو مؤسسة لتهييء المتعلم لعالم المقاولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *