بقلم الصحافي حيمري البشيرة كوبنهاكن- الدنمارك
لقد طال صمتي، وطال تأملي في واقع بات يفرض نفسه بإلحاح، حتى وجدت أن الصراحة أصبحت ضرورة. إن الحديث عن فشل الزواج في المجتمعات الغربية لم يعد شأنا خاصا بأهلها، بل امتد أثره ليطال الجاليات المسلمة التي وجدت نفسها، في كثير من الأحيان، أسيرة صراع خفي بين قيمها الأصيلة وضغوط الواقع المحيط بها.
إن من أبرز أسباب التفكك الأسري في أوساط المسلمين بالغرب، هو التراجع الملحوظ في التمسك بتعاليم الدين الإسلامي، والانفصال التدريجي عن منظومة القيم التي شكّلت عبر القرون أساس الاستقرار الأسري. هذا التراجع يقابله، في المقابل، اندفاع غير محسوب نحو تقليد النموذج الغربي في أدق تفاصيله، دون وعي نقدي أو تمييز بين ما ينسجم مع هويتنا وما يتناقض معها. وفي خضم هذا التحول، تجد المرأة المسلمة نفسها في مواجهة تأثيرات متعددة، من بينها بعض الجمعيات النسائية التي، بدل أن تساهم في التمكين المتوازن، قد تدفع – في بعض الحالات – نحو تبني رؤى تصادمية مع البنية الأسرية التقليدية. ومع اتساع دائرة الاختلاط والتأثر بالمحيط، تتفاقم حالة الازدواجية النفسية، ويعيش الكثيرون صراعا داخليا بين ما نشؤوا عليه وما يفرض عليهم واقعا.
هذه التوترات لا تبقى حبيسة النفوس، بل تنعكس بشكل مباشر على استقرار الأسرة، فتزداد حالات الطلاق، وتتعمق فجوة التفاهم بين الزوجين، خاصة حين يكون هناك تفاوت في المستوى الثقافي أو في درجة الوعي الديني. وفي كثير من الأحيان، يتحول هذا الصراع إلى مأساة إنسانية يدفع ثمنها الأبناء، الذين يجدون أنفسهم بين هويتين متنازعتين، في غياب توجيه تربوي متماسك من الأبوين. إن التفكك الأسري لم يعد ظاهرة محصورة في المجتمعات الغربية الأصلية، بل أصبح واقعًا ملموسًا داخل الجاليات المسلمة أيضا. ويزداد الأمر تعقيدا حين تتباين الخلفيات الثقافية بين الزوجين، أو حين يغيب الانسجام في الرؤية التربوية، مما يفتح الباب لصراعات يومية تقوّض أسس الاستقرار.
ولا يمكن إغفال أن بعض مظاهر الانبهار بالثقافة الغربية، حين تكون غير واعية، تسهم في إضعاف الهوية الإسلامية، خاصة لدى الأجيال الناشئة. ويظهر هذا التأثير بشكل أوضح لدى الفتيات، حيث تتداخل مفاهيم الحرية مع غياب الضوابط، فتضيع البوصلة بين الانفتاح المشروع والانفلات القيمي. إن ما تعيشه شريحة واسعة من المسلمين في الغرب ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة تراكمات من التباين الثقافي، وضعف التأصيل الديني، وتأثيرات خارجية متشابكة. وهو واقع يستدعي وقفة صادقة، لا لإلقاء اللوم، بل لفتح نقاش عميق ومسؤول يشارك فيه علماء الاجتماع، ورجال الدين، والمفكرون، من أجل فهم جذور المشكلة والبحث عن حلول واقعية تحفظ للأسرة توازنها، وللهوية حضورها. إنها دعوة للنقاش، لا للاتهام… وللمراجعة، لا للانقسام.
📲 Partager sur WhatsApp